المثقف ودوره في صراعات الشرق الأوسط

منذ عقود لم يتوقف النقاش، سعة وعمقاً، حول الدور الذي تلعبه الثقافة وفرسانها في الحياة السياسية لمجتمعات الشرق الأوسط، فهذا الدور لا يزال موضع اهتمام لدى النخب السياسية في المنطقة يزداد كثافة وربما حدة في المنعطفات المهمة، خاصة تلك التي تعتبر تحولات تاريخية في حياة شعوبها وتتباين وجهات النظر والأحكام حول ذلك.

حيث لم يخلُ العديد منها من إدانات قاسية بحق المثقف. من غير المقبول وضع اللوم على المثقف واتهامه بالتقصير من غير البحث عن المعوقات التي تقف في طريقه وتسليط الضوء على الظروف المتاحة للثقافة وحملتها في الدخول بفاعلية إلى الساحات السياسية الملغومة في الشرق الأوسط.

يوضع المثقف في معظم دول العالم في خانة الأقليات فميزاته الفكرية المتقدمة ورؤاه الشديدة الارتباط بمعالم الحداثة والتطور تضعه في هذه الخانة، وهو من هذا المنظور ضعيف التأثير في مجتمعه من خلال شخصه كفرد إلا في حالات قليلة.

الشعور بالمرارة لا يفارق مزاج المثقف بوصفه ناقداً إيجابياً لواقع الحياة وداعية لحداثة فاعلة لا تتعارض مع التطورات في رؤى المنظومة الثقافية الحية التي ينتمي إليها وآفاق تفتحها على المستقبل، فهو أسير رقعة ضيقة من الحرية ترسم السلطات القائمة والتقاليد السائدة في المجتمع حدودها وتخضعها لرقابة صارمة تضعه نهب هواجس الخوف والترقب.

فقدراته في التأثير على مسارات الأحداث السياسية ضعيفة ومحدودة في جميع المجتمعات وبشكل خاص في الشرق الأوسط التي لا تزال التقاليد السائدة فيها ترتبط بالماضي بوشائج قوية وتضع الكثير من المحظورات على حرية المثقف وعلى الرؤى والمفاهيم التي يحملها.

المثقف ممثل لسلطة ضميرية تكمن معالم قوتها في دواخل النفوس، فهي لا تجد من يستمع لها أو لأنين معاناتها سوى القلة في أجواء الصراعات السياسية القائمة في المنطقة وبؤس الطروحات الفكرية للطبقة السياسية الحاكمة المعززة باستراتيجيات استهدافه جسدياً حين يتجاوز حدود مساحة المناورة المتاحة له.

فالمثقف لا يمتلك القدرات لتقديم نفسه بأجندته الحداثية من غير ضمان أمنه وتوفير ما يلزم من لوجستيات تنظيمية وإعلامية غير قادر على توفيرها. ربما يصبح له تأثير محدود من خلال انتمائه لتنظيم سياسي إلا أنه يضطر بموجب ذلك إلى التنازل عن الفكر الحر الذي يمتلكه وتهذيب طروحاته بما يتناسب مع طروحات الحزب الذي ينتمي إليه.

قد يجد المثقف، عالماً أو مهندساً أو طبيباً أو معلماً أو مفكراً أو أديباً أو فناناً، نفسه في تلاقي أو تقارب مع رؤى فكرية لبعض الأحزاب السياسية في مجتمعه إلا أن ما يجعله مختلفاً عن غيره من المنتسبين حزبياً لهذه الرؤى هو أن تلاقيه معها لا يقيد حريته في نقدها أو نقد التفاصيل التي ترد في عرض برامجها أو نقد المقاربات التي تجرى لتحقيقها على أرض الواقع.

إلا أن هذا الدور الضعيف قد ازداد ضعفاً بفعل التحولات الفكرية التي طرأت على الوضع الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، فهذه التحولات أضعفت من دور المثقف بعد أن وضع حداً للصراعات الأيديولوجية التي كان المثقف يلعب دوراً مهماً في ساحاتها.

فقد حظيت بعض الأيديولوجيات، وبالتالي المثقف الذي ينتمي إليها على مدى طويل، ببريق خاص وشعبية واسعة بفعل التأثيرات التي أحدثها قادة الرؤى الفكرية أو أصحاب المشاريع الإصلاحية أو رواد المدارس الأخلاقية الذين ينتمون لأطرها.

فقد اتسمت معظم صراعات القرن العشرين بطابع أيديولوجي بين يمين ويسار تحت مسميات مختلفة تركت آثارها على العقود اللاحقة لتصل لعالم اليوم محبطة للمثقف ودوره.

حيث أصبح مصطلح «الأيديولوجية» يحمل دلالة سلبية مع أنه في واقع الحال محايد وظيفياً يشير إلى فكر مشترك ومجموعة من القواعد يلتزمها الفرد وربما يقاد بوساطتها إلى الانتماء فكرياً أو تنظيمياً إلى منظمة ذات أهداف اجتماعية أو سياسية. الدلالة السلبية هذه تعود إلى حقبة الحرب الباردة لاعتناق الأنظمة ذات الطابع الشمولي أيديولوجية تساعد على تثبيت دعائم حكمها.

إلا أن هذا الدور الضعيف للمثقف لم يسترد بعض عافيته حين ظهر تنظيم داعش على خطوط التماس السياسي ببزته الأيديولوجية التي تنتمي للزمن الغابر، فالمساحة المتاحة لمقارعة هذا التنظيم أيديولوجياً ليست متسعة وقد يتحرج المثقف في الولوج إليها لوعورتها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات