تحليل

استرضاء الوحش

بين الحين والآخر تظهر دول مشاغبة تتحدى الترتيبات الإقليمية والدولية القائمة، فتتسبب في إثارة الاضطراب في النظام الدولي. يثير ظهور مثل هذه الدول انقساماً بين الدارسين وصناع القرار، فيما إذا كان من الأفضل ترضية الدولة المشاغبة وتقديم التنازلات لها، أم أنه من الأفضل إظهار التشدد وأخذ موقف قوي في مواجهتها.

يواجه العالم ومنطقتنا موقفاً من هذا النوع بسبب المخاطر الناتجة عن الأطماع الإيرانية، والتي يوجد بشأنها انقسام بين فريق يفضل استرضاء إيران عبر تقديم التنازلات لها، تجنباً للتصعيد بكل ما يحمله من مخاطر الصراعات والحروب؛ وفريق آخر يرى أن أي ترضيات لن تكون كافية لسد شهية إيران للتوسع والسيطرة، وأننا سوف نجد أنفسنا في النهاية مضطرين لمواجهتها؛ فالترضيات والتنازلات قد تؤجل المواجهة لكنها لن تجعلها غير ضرورية، وأنه من الأفضل مواجهة الخطر الإيراني الآن، لأن المواجهة القريبة أقل تكلفة بكثير من المواجهة المؤجلة لوقت آخر تكون فيه إيران أكثر قوة.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يواجه فيه العالم مثل هذا الموقف، فقد واجه العالم موقفاً مشابهاً في كل مرة ظهرت فيها دولة مشاغبة تسعى لإعادة صياغة النظام الإقليم والدولي وفقاً لتصوراتها وعقيدتها الخاصة.

حدث هذا بعد الثورة الفرنسية الليبرالية، والثورة الروسية الشيوعية؛ لكن أكثر مرة تم فيها طرح هذا السؤال بإلحاح كانت بعد انقلاب هتلر في ألمانيا النازية.

في مطلع عام 1933 أصبح الحزب النازي أكبر الأحزاب الممثلة في البرلمان الألماني، بعد سلسلة من المؤامرات والتلاعب بالخصوم والإعلام والانتخابات، وعلى هذا تم اختيار هتلر لمنصب المستشارية، أعلى منصب تنفيذي في البلاد. آمن الحزب النازي بالقومية الألمانية، وتوحيد الشعوب الناطقة بلغتها؛ وآمن بتفوق الشعب الألماني، وحقه في تسيد القارة الأوروبية؛ وآمن أيضاً بأن الشعوب الوضيعة، ومن بينهم اليهود والغجر وآخرون غيرهم، يعترضون مسيرة التفوق الألماني والتقدم الإنساني، وأنه من الأفضل التخلص منهم.

مناورات وعنف

لم يكن وصول الحزب النازي للسلطة سلمياً هادئاً، بل كان مصحوباً بالكثير من المناورات والعنف والتعبئة والتحريض والدعوة لإعادة بناء القوة العسكرية الألمانية. كان اقتران العقيدة النازية المتطرفة بأساليب التحريض والبلطجة العنيفة سبباً في إثارة الذعر في أوروبا التي لم تكن قد تعافت بعد من جراح الحرب العالمية المؤلمة.

لكن كان هناك في أوروبا من يعتقدون بوجود الكثير من المبالغة في تصوير النوايا العدوانية للنازيين، وأن حملة شيطنة النازيين لا تمثل سوى استمرار لسياسة محاصرة ألمانيا وتهميشها المتبعة من جانب عدد من القوى الأوروبية منذ سنوات؛ وأن ما يعتبرونه تطرفاً وعدوانية نازية لا يزيد عن كونه طريقة الشعب الألماني في التعبير عن إحساسه بالظلم الذي أنتجته اتفاقات الصلح التي فرضت على ألمانيا بعد هزيمتها في العالمية الأولى، وبسبب حرمان الأمة الألمانية من استكمال وحدتها القومية.

في مارس عام 1938 قامت ألمانيا بضم النمسا. وبينما أثارت هذه الخطوة مخاوف الكثيرين من بدء ألمانيا النازية حملة التوسع والسيطرة في أوروبا، كان السذج وحسنو النية من أنصار السلم يواصلون تفسير ما يحدث أمام أعينهم باعتباره تطبيقاً لحق الأمة الألمانية المشروع في الوحدة القومية، وأن اعتراف أوروبا بالحقوق القومية المشروعة لألمانيا كفيل بنزع فتيل الأزمة. كانت ألمانيا النازية تطالب بضم إقليم السوديت التابع لتشيكوسلوفاكيا الذي تعيش فيه أغلبية من المتحدثين بالألمانية.

ادعى هتلر أن السوديت هو آخر الأقاليم التي يطالب بضمها، وأنه ليس لديه أي ادعاءات أخرى في البلاد المجاورة، وكان رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين يصدقه، وكان يقف على رأس معسكر المفرطين دعاة استرضاء ألمانيا.

توجه تشامبرلين لألمانيا، ومعه قادة فرنسا وإيطاليا، ووقعوا مع هتلر في الثلاثين من سبتمبر 1938 معاهدة ميونيخ، وفيها تعهدت الدول الأوروبية بالامتناع عن تقديم الدعم العسكري لتشيكوسلوفاكيا في حال قررت ألمانيا انتزاع إقليم السوديت باستخدام القوة العسكرية.

عصر السلام

روج تشامبرلين لمعاهدة ميونيخ باعتبارها بداية عصر السلام peace in our time، فيما أثبتت الشهور اللاحقة أن التنازلات التي جرى تقديمها لهتلر في ميونيخ لم تؤد سوى إلى فتح شهيته لمزيد من التوسع، ولمحاولة ابتلاع أوروبا كلها، بعد أن تأكد له ضعف القادة الأوروبيين، وافتقادهم التصميم الضروري لمواجهة العدوان والتوسع. لم يكتف هتلر باحتلال إقليم السوديت بل سيطر على كل تشيكوسلوفاكيا، دون أن يتحرك أحد.

تشجع هتلر وقام في الأول من سبتمبر 1939 باحتلال بولندا، وعندها فقط أيقن قادة بريطانيا وفرنسا دعاة استرضاء الوحش النازي أن هتلر قد خدعهم، وأن الاسترضاء والتنازلات لا تؤدي إلى السلام إلا مع من يستحقها من الدول الطبيعية، أما الدول المتوحشة فإنها لا تكف عن العدوان إلا عندما تجبر على ذلك؛ فكانت هذه هي بداية الحرب العالمية الثانية. فهل يتعلم أهل الشرق الأوسط الدرس؟

*كاتب ومحلل سياسي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات