رسالة الإمارات.. الأصل هو التعايش

طبيعي أن يطرح التساؤل التالي من كل المراقبين، لماذا اختار قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية دولة الإمارات تحديداً ليس فقط من أجل توجيه رسالة السلام المسيحية إلى المسلمين، وإنما في إقامة أول قداس مسيحي في المنطقة التي تعتبر الأكثر تحفظاً في الانفتاح على الآخر؟!

ومن الطبيعي أيضاً، أن تترك هذه الزيارة وما رافقها من فعاليات إنسانية، صدى عالمياً سياسياً وإعلامياً ليس على المستوى الرسمي ولكن الشعبي أيضاً وهو الأكثر أهمية في قضية التسامح، فالذي يفهم من الزيارة والقداس أنه تتويج للرسالة الإماراتية الخالدة إلى العالم، ووسام من الرأي العام العالمي، بكل أطيافه الدينية، فيما تقوم به من أعمال لخدمة الإنسانية.

هذا التساؤل أو ما يحمل معناه كان هو الأكثر تكراراً بين الإعلاميين الذين أتوا لتغطية الحدث، وكان كذلك ضمن الحوارات الإعلامية المرافقة لتقارير التغطية والمقالات التي كتبت حول زيارة البابا التاريخية إلى المنطقة، الأكثر التهاباً في العالم.

وفي الإجابة عنه فإنه بلا شك، أن أي إنسان عادي يمتلك أبسط اطلاع على ما يحدث في دولة الإمارات بإمكانه أن يقول إن السبب يكمن في استضافة دولة الإمارات للجاليات المختلفة في العالم دينياً وعرقياً بعضها بينها حروب وأزمات، ولكن تتقبل بعضها في الإمارات، ليس هذا فقط ولكن فإن تفاصيل هذه الجنسيات أكثر وأعمق في الاختلاف حتى في الدين الواحد أو الدولة الواحدة.

وبإمكان أي شخص آخر في محض الإجابة عن التساؤل، أن يستعرض أن في الإمارات جملة من الإجراءات القانونية والتشريعات التي تجرم التعصب والتطرف والعنصرية، وهو ما يجعل منها مكاناً مناسباً لأي سياسي أو ديني أن يخاطب العالم الإسلامي، وأنها قامت بإجراءات حضارية، تؤكد من خلالها قبول الآخر، منها على سبيل المثال وجود حوالي 40 كنيسة في دولة الإمارات.

إن التراث الثقافي الإماراتي حافل بما هو يدعو إلى التسامح والتعايش، وينبذ كل ما يدعو إلى التطرف والإرهاب باعتباره ليس من الطبيعة البشرية ولا الإسلامية ولا أي دين آخر، وهذا الفهم الإماراتي تم التركيز عليه لأن في كثير من الأحيان يمثل قوة أكبر من مواد القانون وتشريعاتها وأي أشكال مادية أخرى يعتقد البعض أنها كافية، فتلك القيم التي عرفها المجتمع الإماراتي اعتمدت عليه الدولة في كل طروحاتها السياسية وغيرها من المواقف باعتباره هو الأصل فهذا السبب كاف لأن تجعل البابا وغيره من القيادات الدينية والسياسية لأن يختار الإمارات لبث رسالته.

وتكمن عبقرية دولة الإمارات هنا أنها فرضت الأبعاد الإنسانية التصالحية كمنطلقات لمحاربة كل فكر متطرف لأنه يضع أصحابها أمام مسؤولية غير تلك التي اعتادها المتطرفون والقائمة على الاختلاف الديني أو الثقافي، ولهذا جاءت هذه الزيارة بالاتفاق المشترك بين القيادتين الدينيتين والقيادة السياسية لإبراز التجربة الإماراتية باعتبارها نموذجاً يمكن الاقتداء به في المجالات الحضارية، إذ تبنت الكثير من الأفكار التي تدعو إلى إحداث التقارب الإنساني وإزالة الاختلافات، سواء داخل الدولة وكذلك في تقديم مساعدات إنسانية في كافة أنحاء العالم دون الوقوف على معايير غير الإنسانية.

هذه التجربة أصبح لها حضور كبير في الغرب باعتبار أنه يمكن الاستفادة منها لتكون رافعة إنسانية لإثراء الثقافات المختلفة في منطقتنا أساساً، وتخصيبها فكرياً ودينياً لتكون مناسبة لأبناء الدولة الواحدة التي فيها تمايزات عرقية ودينية مثل العراق وأفغانستان مع أن العديد من المراقبين يعتقدون أن للإمارات وضعها التاريخي الخاص المتمثل في القيادة السياسية المؤمنة بحق العيش المشترك مع وجود الاختلاف باعتباره الجانب الطبيعي في أي مجتمع.

ليس سراً ولا خافياً على أحد بأن مجتمع الإمارات هو نموذج للتعايش والأخوة الإنسانية، وأنها ملتقى الحضارات والثقافات منذ أكثر من نصف قرن، وأن هذا هو نتاج التفاعل الإنساني الموضوعي ومراكمة التجارب البشرية والتفاعل مع ثقافاتهم بكل اختلافاتها، وبالتالي فإن اختيارها لتوجيه الرسالة الإنسانية للعالم هو من أجل البناء على هذه التجربة الرائعة لمد جسور التفاهم والتقارب فالصفة الغالبة في كل الأديان السماوية هي تعمير الأرض والعمل الصالح... الذي لا يتحقق إلا بالتعايش والتسامح.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات