مخاطرة تريزا ماي

الشهر الجاري لن يكون حاسماً بالنسبة لمعضلة البريكست وحدها وإنما سيتحدد معه أيضاً مستقبل حزب المحافظين والسياسة البريطانية في مجملها. فرغم أن تصويت البرلمان البريطاني لصالح إعادة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي بدا وكأنه انتصار لرئيسة الوزراء تريزا ماي، إلا أن ذلك التصويت قد يفتح الطريق أمام أكثر ما سعت لتجنبه وهو انقسام حزبها.

فمنذ أن نجحت رئيسة الوزراء البريطانية في إبرام اتفاق مع الاتحاد الأوروبي في ديسمبر من العام الماضي بشأن خروج بلادها من الاتحاد، واجهت تريزا ماي صعوبة في إقناع الداخل البريطاني به وفشلت في تمريره من مجلس العموم، الذي رفضه بأغلبية تقترب من الثلثين.

لكن رئيسة الوزراء، التي خرجت منتصرة من التصويت الذي كان يهدف لسحب الثقة من حكومتها، لم تغير استراتيجيتها الأساسية. فهي ظلت تسعى طوال الوقت لاسترضاء الجناح الداعم للخروج من الاتحاد الأوروبي في حزبها، لئلا ينقسم الحزب على نفسه. وقد ظل ذلك الهدف على قمة أولوياتها حتى في إدارتها لموضوع مصيري بالنسبة لبلادها كموضوع البريكست.

وهو ما بدا واضحاً في طريقة تعاملها مع النص الجدلي في الاتفاق والمتعلق بالحدود مع أيرلندا. فاتفاق البريكست، الذي أبرمته مع الاتحاد الأوروبي، يمنع إيجاد حدود صارمة بين أيرلندا وأيرلندا الشمالية. وهو ما يعني أن أيرلندا الشمالية ستظل في الاتحاد الجمركي، الأمر الذي يعني أيضاً أن تظل المملكة المتحدة بأكملها لا فقط أيرلندا الشمالية بالاتحاد الجمركي.

والحقيقة أن هناك أغلبية في مجلس العموم البريطاني تؤيد البقاء البريطاني بالاتحاد الجمركي بموجب ذلك الاتفاق، وكان بإمكان تريزا ماي تمرير البند، ومن ثم الاتفاق كله، عبر تلك الأغلبية لو هي تفاوضت، بعد الحصول على ثقة البرلمان، مع حزب العمال.

لكن بدلاً من ذلك، ظلت ماي تستخدم الاستراتيجية نفسها، أي استرضاء الجناح الداعم للخروج من ناحية واعتماد ورقتها التفاوضية ذاتها، من ناحية أخرى، وهو صيغة «إما وإما»، إذا جاز التعبير، للضغط لقبول الاتفاق، أي إما القبول بالاتفاق الذي أبرمته وإما القبول بلا اتفاق على الإطلاق، أي وضع معارضيها أمام خيار الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق أصلاً، بما له من آثار مدمرة للمصالح البريطانية.

ثم كانت أن غيّرت رئيسة الوزراء استراتيجيتها بشكل مفاجئ الأسبوع الماضي، مرة أخرى لصالح فريق الخروج من الاتحاد الأوروبي في حزبها، عبر الإعلان عن قبولها بتعديل قدمه السير جراهام بريدي الذي يسمح بالعودة للتفاوض مع بروكسل من أجل إيجاد «بديل» فيما يتعلق بالحدود مع أيرلندا.

ثم حصلت على موافقة البرلمان على ذلك التعديل، على أن تعود إليه بعد أسبوعين بما توصلت له، رغم أنها كانت قد سمعت من جون كلود جانكر عبر الهاتف قبل ذلك التصويت بساعات أن الاتحاد الأوروبي لن يقبل بإعادة التفاوض، وهو ما كرره لاحقاً رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك قائلاً إن نص الحدود «جزء من اتفاق الانسحاب واتفاق الانسحاب ليس قابلاً لإعادة التفاوض».

وقد أعلنت أيرلندا أن تغيير ذلك النص «يخرق معاهدة السلام الأيرلندية التي أنهت عقوداً من الصراع المسلح».

وبينما تستخدم تريزا ماي الموقف الأوروبي لصالح تماسك حزبها باعتباره موقفاً متشدداً تجاه بلادها فإن موقف الاتحاد الأوروبي أكثر اتساقاً مع الذات بالمقارنة بموقف تريزا ماي.

فالاتحاد يهمه الإبقاء على ذلك النص ليس فقط لأن بريطانيا سبق وأن وافقت عليه، وإنما لأنه يخص مصلحة دولة من الدول الباقية داخل الاتحاد، أي أيرلندا، وبالتالي ليس له مصلحة في الجور عليها لصالح دولة، بريطانيا، ترغب في الخروج منه وليس واضحاً على الإطلاق حتى الآن ما سوف يوافق عليه برلمانها في نهاية الأمر.

فالأمر الوحيد المتيقن هو أن البرلمان البريطاني يرفض الخروج دون اتفاق. لكن ليس من الواضح مطلقاً ما إذا كان سيقبل بإرجاء خروج بريطانيا لما بعد 29 مارس المقبل أم بإجراء انتخابات جديدة أم باستفتاء جديد.

لذلك، فإن الشهر الجاري سيكون حاسماً بالنسبة لمفاوضات البريكست، إذ ينتظر كل طرف، بريطانيا والاتحاد الأوروبي أن يتنازل الطرف الآخر. لكن الموقف البريطاني يظل هو الأضعف. فحتى في حالة السعي لإرجاء الخروج البريطاني لما بعد 29 مارس المقبل، فإن ذلك الإرجاء يظل رهناً بموافقة كل الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي.

ومن هنا، فإن حجم المخاطرة التي اتخذتها تريزا ماي باعتماد استراتيجية كان تماسك حزبها هو أولويتها الأولى قد يودي بفرص بريطانيا في خروج آمن من الاتحاد الأوروبي بل ويودي بمقدرات حزبها نفسه لدى الرأي العام البريطاني ولفترة طويلة مقبلة.

وهو المعنى الذي أكد عليه عضو الحزب والوزير السابق أوليفر لتوين حين حذر من أن خروج بريطانيا دون اتفاق من الاتحاد الأوروبي سيؤثر سلباً على الحزب «إذ لن نستطيع وقتها أن نلقي باللائمة على أحد غيرنا».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات