التسامح في أرض التسامح

يختتم اليوم رجل السلام قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية زيارته للإمارات، حيث يجتمع أكثر من 135 ألف شخص من أتباع الكنيسة الكاثوليكية في مدينة زايد الرياضية، حيث أن البابا سيقيم قداساً من أرض زايد، أرض السلام.

زيارة بابا الفاتيكان والتي التقى خلالها فضيلة الإمام الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وبمشاركة 700 شخصية دينية من رجال وعلماء الدين من مختلف الديانات والطوائف، رسمت ملامح التعايش والأخوة الإنسانية بين مختلف الأديان من مختلف الملل والتوجهات، هذه الزيارة التي احتضنتها عاصمتنا الحبيبة «أبوظبي» تؤكد على سعي الإمارات وقياداتها لخلق فرص مستقبلية للسلام الدولي، والتعايش بين مختلف الأجناس بسلام ومحبة.

الإمارات ومنذ قيام الاتحاد وهي داعم رئيسي لمشاريع السلام العالمي، وتسعى جاهدة لوضع نموذج للتعايش السلمي مهما اختلفت العقائد، وتعتبر دولتنا من الدول الرائدة في هذا المجال بتوفيرها لمنظومات قانونية وتشريعية تجرم الازدراء والاحتقار وأي نوع من أنواع العنصرية للدين أو الجنس أو العرق، وتحث على التعايش السلمي والاحترام المتبادل بين البشرية، فمهما اختلفت الألوان إلا أن المرجع الأول للإنسانية التي تجمعنا جميعاً بصفات مشتركة هو بحثنا عن الأمن والسلام، وهذا ما أوجدته الإمارات وقدمته للعالم من خلال تجربتها الفريدة في تعايش أكثر من 200 جنسية، الأمر الذي يشهد له العالم أجمع بمن فيهم «بابا الفاتيكان».

زيارة البابا لأرض زايد، زيارة خاصة لأرض تحتضن السلام وتسعى في مساعيه منذ قيامها ونشأتها، أرض قائمة في أساسها على السلام والتعايش، فما حصل في البدايات، ومنذ مشاورات الاتحاد، ودولتنا قائمة على هذا الأساس، فلولا تعايش وسلام القبائل التي كانت تعيش على أرضنا لما حصل الاتحاد، ولولا قبولهم بهذا التشكيل لدولتنا لما وصلنا لدولة عظيمة تسمى الإمارات، ومن هذه الانطلاقة لما هو أكبر وأكبر، لتصبح تجربتنا الفريدة تجربة تعمم وتصدر للعالم أجمع، مفادها أن بالسلام والتعايش والاحترام نحقق الريادة والتميز.

لم تكن زيارة البابا فرانسيس لدولتنا مجرد زيارة، إنما هو مشروع إماراتي عالمي نقدمه نصرة للإنسانية، نصرة للسلام العالمي، نقوض من خلاله أي محاولة لزعزعة الأمن والسلم المجتمعي في أي بقعة من الأرض، مشروعنا قائم على ترسيخ مفهوم المواطنة وكيفية مواجهة التطرف، ودولتنا لها تجربة كبيرة في هذا الشأن بأن أوجدت دولة القانون، والتي تجرم التطرف كفكرة قبل أن يصبح فعلاً أو تعدياً، مشروعنا الإماراتي يتجسد في المسؤولية التي تقع على المؤسسات الدينية في تحقيق السلام، وفي احتضان دولتنا ودعمها محافل ودور العبادة لمختلف الأديان، تجربة فريدة تستحق أن ننقلها للعالم، مشروعنا يسعى لجعل السلام مهمة أولى وأساسية تحملها المؤسسات الدينية على عاتقها، مشروعنا يبحث في المستقبل؛ في مستقبل التعايش السلمي والقضاء على الصراعات الدينية والعقائدية.

من أرض الإمارات تُكتب بداية جديدة نتصالح فيها مع أنفسنا، ونعترف بالأخوة الإنسانية الجمعاء في حوار عالمي للأديان، في زيارة تاريخية، وفي لقاء يتمحور السلام جميع أقطابه ونقاشاته، وبعد أن عانى العالم من التطرف والإرهاب باسم الدين، وما يسميه البعض صراع الأديان، تبسط الإمارات ذراعيها لتتشابك الأيدي بين قطبين يمثلان أكبر المؤسسات الدينية العالمية: الكنيسة الكاثوليكية، والأزهر الشريف، ليجتمعا فيما بينهما بخطة واحدة، وهدف واحد؛ السلام العالمي، وكم ستؤثر هذه الزيارة على عقول الملايين من حول العالم، لما لتأثير هذه المؤسسات على عقول الكثيرين وتغيير أفكارهم وحثها على التعايش والسلم المجتمعي.

زيارة بابا الفاتيكان ليست مجرد زيارة إنما هي خطوة بين العديد من الخطوات التي تسعى الإمارات للمضي قدماً في تحقيقها في مشروعها العالمي للسلام، فدولتنا ماضية يوماً بعد يوم، ومشروعاً تلو مشروع، ومبادرة تلو مبادرة، ولقاء يليه لقاء، لتحقيق السلام المجتمعي والتأكيد على الأخوة الجمعاء، فنحن في عام التسامح، وهذه الزيارة خطوة أولى في عامنا الهادف لجعل التسامح سمة وصفة تتصف بها البشرية بعد سلسلة طويلة من التعصب والعنف باسم الدين، والتنازع من أجل إثبات الحق.

فيما أن الحق يكمن بالتعايش والتسامح والاحترام المتبادل، فجميع هذه الأديان هي أديان الله، والله وحده الفاصل بينهم يوم القيامة، بقوله تعالى في صورة الحج الآية 17: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.

الله وحده الفاصل بينهم يوم القيامة، هذا ما تريده الإمارات من جميع الأديان والملل والطوائف، وأن يكون هذا المبدأ هو المبدأ السائد دائماً، وهو النهج الذي تمضي به الأمم نحو الأمام، فليس من حق أي منهم أن يحاسب الآخر في الدنيا، فنحن جميعاً محاسبون أمام الله، والأرض للجميع، فليس من حق أي فئة أن تقصي أي فئة أخرى أو تمايز بحقها بحجة الدين أو المعتقد، والأهم ليس من حق أي منهم أن تقتل وتستبيح دماء أي أحد تنفيذاً لتعاليم الدين.

فما الدين إلا تهذيب للأخلاق، ولم يكن يوماً أداةً لتبرير العنف، والإمارات بمشروعها تريد أن تنشر هذه الثقافة ليس بين الملل والطوائف المسلمة فحسب، إنما أيضاً بين أطياف الملل والديانات الأخرى، فنحن جميعاً تجمعنا الإنسانية، والتي تلغي أي تعصب أو تمييز أو ازدراء.

أهلاً ببابا الفاتيكان، وأهلاً بشيخ الأزهر الشريف، وأهلاً بكل من يريد أن يبسط ذراعيه لتتشارك يديه مع مشروع الإمارات للتسامح والتعايش والسلم والسلام العالمي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات