ترامب بين سندان الداخل ومطرقة الخارج

بعد الانتخابات النصفية في نوفمبر الماضي، والتي كسب الديمقراطيون فيها أغلب مقاعد مجلس النواب بدأ الرئيس دونالد ترامب يعاني من ضغوط وقيود داخلية تعطل برنامجه السياسي والانتخابي. وقد بدا هذا التحدي بين البيت الأبيض والكونغرس الجديد من قبل أن يشرع المجلس في انعقاد جلسته الأولى.

وقد كان ذلك اللقاء العلني في البيت الأبيض بين نانسي بيلوسي المتحدثة باسم مجلس النواب المنتخبة لذلك المنصب حينها، وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ وما حصل من تلاسن علني حول الجدار الفاصل على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة. وقد أصر الطرفان على موقفهما، وعقدا العزم على عدم التنازل أو التزحزح، ونذرا بمواجهة طويلة.

وكان لهما ما أرادا! فقد أغلقت الحكومة الفيدرالية لأطول مدة في تاريخ الإغلاقات الحكومية بسبب عدم اعتماد الميزانية الحكومية للسنة المالية، وفقد عشرات الآلاف من الموظفين الاتحاديين رواتبهم بسبب هذا الإغلاق. وقد تعهد الديمقراطيون أنهم لن يقدموا أي تنازل بينما يحتجز الرئيس الموظفين الاتحاديين رهائن. ووصل العناد من قبل الطرفين إلى أن قبل الرئيس ترامب بفتح مؤقت لمدة ثلاثة أسابيع والتفاوض حول تمويل الجدار العازل والذي طالما وعد به في حملته الانتخابية.

وبعد أن تنازل الرئيس هبت عليه عاصفة هوجاء من المحافظين، وخاصة من قاعدته الانتخابية. وقالت جنيفر روبن، كاتبة العمود اليمينية في جريدة الواشنطن بوست، إن «ترامب سقط ولن يستطيع القيام». وأضافت «ربما الإغلاق (للحكومة) وليس تقرير المحقق الخاص المرتقب… والذي سيؤدي إلى سقوط ترامب».

وكما ذكرت الصحافية فإن الرئيس يواجه استحقاقات المحقق الخاص روبرت مولر والذي وجه الاتهام إلى كثير من المقربين إليه. وقد أدين بعضهم مثل محاميه الخاص والذي أدلى بمعلومات ضد الرئيس. كما يواجه آخرون المحاكم بسبب هذه التحقيقات والتي لا يعلم أثارها على التحقيقات ضد الرئيس.

وعلى ما يبدو فإن الدولة العميقة بدأت تدير رحاها ضد الرئيس وبشكل فاعل. ففي شهادة أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، ناقض قادة المجتمع الاستخباراتي موقف ترامب في قضايا مهمة. فقد أعلن قادة الاستخبارات أن كوريا الشمالية لن تتخلى عن أسلحتها النووية لأنها الضامن الأكبر لبقاء النظام. وهي مسألة استثمر فيها الرئيس كثيراً من رأسماله السياسي حين عقد اجتماع قمة مع رئيس كوريا الشمالية.

وأعلن هؤلاء اختلافهم بشأن تقييم الرئيس حول خطر داعش. وذكروا في شهادتهم أن خطر داعش مازال قائماً بعكس ما أعلن الرئيس عن هزيمة التنظيم، وأن «داعش ناوية على انبعاثها ولا تزال لديها الآلاف من المقاتلين في العراق وسوريا».

كما أنهم وجهوا انتقاداً إلى السياسة التجارية لترامب وشعاره «أمريكا أولاً». ويرى المجتمع الاستخباراتي أن هذه السياسة خلقت توتراً بين واشنطن وحلفائها. وأن حلفاء الولايات المتحدة بدأوا في البحث عن شركاء جدد. وقد دخل الرئيس في مساجلات قوية مع قادة الاستخبارات بسبب شهاداتهم.

وما لبث أن حاول التصالح معهم قائلاً إن تصريحاته أخذت على نحو سيئ. وقال إنه اجتمع مع قادة الاستخبارات ووضحوا له أن تشخيص شهاداتهم من قبل الإعلام لم يكن صحيحاً، وإنهم في اتفاق تام مع الرئيس بشأن تقييماته للتهديدات التي تواجه الولايات المتحدة.

وفي تطورات خارجية سيكون لها تأثير كبير على سياسة ترامب تجاه إيران. فقد أعلنت واشنطن عزمها عقد اجتماع وزاري في 13-14 فبراير يضم أطرافاً عدة في وارسو لتطوير مستقبل السلام والأمن في الشرق الأوسط. ومن الطبيعي أن يناقش الاجتماع الوزاري إيران بصفتها أهم مصدر لقلق دول المنطقة ومزعزعة للاستقرار. كما أن واشنطن تتهمها بالسعي لامتلاك أسلحة نووية والتي ستزيد من التوتر في المنطقة.

ولكن بعض الدول الأوروبية استبق هذا الاجتماع الذي يهدف لزيادة عزلة إيران باجتماع لخلق وسيلة لتفادي المقاطعة الأمريكية ضد إيران. وتشتمل هذه المقاطعة منع إيران من استخدام نظام التبادل التجاري الذي يمر داخل النظام المالي الأمريكي.

وقد ابتدع هؤلاء ما أسموه «انستكس» وهي مختصر لأداة دعم التبادل التجاري. وسيسمح هذه الوسيلة لتبادل تجاري بين إيران وبعض الشركات الأوروبية دون أن تستطيع واشنطن من منع التبادل بسبب استقلال هذه الأداة عن النظام المالي الأمريكي.

ويحظى الرئيس بدعم كبير في قضيتين راهنتين: الأولى انسحابه من اتفاقية الصواريخ متوسطة المدى. ورغم أن الأوروبيين أبدوا قلقهم من سباق تسلح جديد بين الولايات المتحدة وروسيا، إلا أن منظمة الناتو أيدت خطوة الرئيس ترامب. والثانية تأييد المنشقين بقيادة خوان غوايدو عن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وقد دعا البرلمان الأوروبي للاعتراف بالرئيس المؤقت لفنزويلا.

ويبقى التحدي الأكبر للرئيس في الخارج إيجاد حل للصراع الإسرائيلي -الفلسطيني في المبادرة المرتقبة الإعلان عنها في صفقة القرن. وإذا ما حقق تقدماً في هذه الملف سيكون الرئيس ترامب قد حقق إنجازاً تاريخياً لم يستطع تحقيقه جميع الذين سبقوه.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات