فلسطين والتحديات الراهنة.. قراءة تحذيرية

في مضمار مقاومتهم الباسلة للمشروع الصهيوني وكيانه السياسي إسرائيل، واجه الفلسطينيون أنماطاً شديدة البأس من التحديات على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية.

وعلى مدار أكثر من مئة عام، كان من الطبيعي أن تتعرض هذه التحديات للتغير وإعادة التموضع والتشكل، وبالتداعي للاختلاف من حيث حجم التأثير ونوعيته. وربما تذبذب الخط البياني لاستجابة الفلسطينيين لها، في مراحل مختلفة وفي إطار محددات بعينها، بين القوة والضعف والرتابة، لكن هذا لا يعني البتة زوال هذه الوضعية أو انقطاعها أو حتى تقادمها.

لهذا، لم تغب يوماً عن أدبيات القضية الفلسطينية وأخبارها السيارة، التعبيرات الموصولة بأفكار من قبيل أنها تمر بمرحلة تاريخية غير مسبوقة أو بمنعطفات خطيرة أو بلحظات حساسة حاسمة، تهددها بالانزواء أو الفناء. ومع ذلك، تأكد بالتجربة والبرهان أننا إزاء قضية قادرة على التجدد، ظلت تملك خصائص الاستمرارية والبقاء والإلحاح على جداول أعمال كل المعنيين بها وشواغلهم.

الآن، ولسنوات قليلة ماضية، هناك من التحولات المتسارعة في التحديات، التي تتوالى وتستجد في البيئات المحيطة بالقضية، ما يدعو للتدبر جدياً في إمكانية صحة هذه الأفكار التقليدية.

على الصعيد الوطني، لم تعد الخلافات والمنازعات والتدافعات، محصورة في الأطر الداخلية والمؤسسات الجامعة كمنظمة التحرير الفلسطينية.

لقد تم تجاوز هذه الأطر وسقوفها الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية، إلى الانشطار الإقليمي المناطقي علي كل المستويات، وانعطفت التعددية السياسية بكل فضائلها وإغنائها للنضال الوطني، نحو الانقسام والتشظي بكل أضرارهما، ثم إن هذه الحالة تداعت إلى، ونالت من، البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حتى بتنا على مشارف كيانين بسلطتين وقرارين ورؤيتين وأسلوبين في معالجة الأهداف التحررية، ولهما نمطان من التحالفات الإقليمية.

وفي حمأة هذا الواقع المرير، نشأ جيل بكامله، لا يعرف سوى ما يسمع ويرى، بكل الإسقاطات السلبية التي يؤشر لها هذا الافتراق.

توشك القوى الفلسطينية، أن تغادر مربع الحرد والخصومة البريئة والتلاوم اللطيف والتنوع الابداعي، إلى دائرة التصارع وكسر العظم وحرق المراكب بين أخوة الوطن والمصير. وهذا يفضي إلى صعوبة الالتئام والتلاقي على قواسم مشتركة.

على صعيد التحديات الإقليمية، العربية بالذات، لعل أبرز ما يلفت النظر ويكسر خواطر الغيورين على صلابة القضية الفلسطينية، هو نشوء نوع من التنازع بين الأولويات، إذ كانت الصدارة دوماً لهذه القضية، وكان من المحظور إلى مرتبة التحريم تقريباً، القفز خفية أو جهرة عنها أو تخطيها، لا سيما بإجراء أشكال من التطبيع مع الإسرائيليين، قبل الاستجابة للحقوق الوطنية الفلسطينية، وحدها الأدنى والمعلن ما ورد في مبادرة السلام العربية الشهيرة عام 2002.

هذا التابو يكاد يتعرض راهناً للانتهاك والاختراق، وفي أحسن الفروض، ما عاد مفاجئاً لأحد أن ينبري بعض العرب للدفاع عن تطبيق هذه المبادرة، ولكن بحيثية معكوسة تعني التطبيع والتواصل قبل التسوية، وهو أمر ينذر بتصدع البنية العربية المحيطة بإسرائيل، هبوطاً إلى درك الاستفراد بالحركة النضالية الفلسطينية والعمل على اعتصارها.

قد لا يكون هذا التصور صحيحاً، بل ونأمل أن يكون افتراضياً، بيد أن مجرد تسريبه وطرحه للتداول واستطلاع ردود الأفعال، مسألة مثيرة للبلبلة وجديرة بالتأمل.

أما جديد التحديات الدولية، فأكبره وأكثره خطورة وتأثيراً، يتعلق بانحراف السياسة الأمريكية من دور الداعم بقوة لإسرائيل وسياساتها، مع الاحتفاظ بمسافة منها، إلى مقام العداء الصريح لقضية التحرر الفلسطيني.

ودلالة على ذلك الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وممارسة ضغوط اقتصادية ومالية علي الفلسطينيين وإغلاق مكتبهم التمثيلي في واشنطن، والسعي لإزاحة قضية اللاجئين وتصفية الوكالة الأممية الساهرة على إغاثتهم (أونروا)، وحث أعضاء النظام العربي على إقامة علاقات تشبيك متعددة الأبعاد مع إسرائيل، بغض النظر عن مواقفها العدائية تجاه مسيرة التسوية الفلسطينية وتنكرها لحل الدولتين.

في ضوء هذه المستجدات الفارقة على منظومة التحديات، لا تصح الاستهانة بما يتردد حول كون القضية الفلسطينية تعيش راهناً على مفترق طرق، يؤشر المضي في بعضها إلى إضاعة منجزات تحققت بأثمان باهظة.

ويقيناً، يعد التعجيل بتدارك الأوضاع الداخلية وانتشالها من مخالب الانقسام وتبعاته، أول الغيث على درب الصحوة ورد الاعتبار للقضية. قد لا تكون الوحدة الوطنية الشرط الوحيد لاسترداد الحقوق، لكنها الشرط الذي لا غنى عنه للمناعة والمنعة الذاتية ومساءلة الآخرين، إقليمياً ودولياً عن واجباتهم.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات