واقع سود أمريكا في عيد مارتن لوثر كنغ

رغم أن عيد مارتن لوثر كنغ حل هذا العام في الولايات المتحدة متزامناً مع إنجاز ضخم للسود، إلا أن واقع الجماعة السوداء يظل يختلف كثيراً عما يعيشه أقرانهم من البيض الأمريكيين.

ففي الاثنين الثالث من شهر يناير من كل عام، يحتفل الأمريكيون بميراث مارتن لوثر كنغ، زعيم حركة الحقوق المدنية، الذي كافح ضد العنصرية ومن أجل الحقوق المتساوية للسود وغيرهم من الأقليات. وقد حل عيد مارتن لوثر كنغ هذا العام، بعد أسبوعين فقط من انطلاق الكونغرس الجديد الذي ضم بين أعضائه لأول مرة أكثر من خمسين عضواً من السود.

وهو عدد غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة كله.

ففي خضم حركة الحقوق المدنية وبعد عام واحد من صدور قانون حقوق التصويت في 1965 لم يكن بالكونغرس سوى ستة فقط من الأعضاء السود. والمسألة لا تتوقف اليوم على ذلك العدد غير المسبوق من أعضاء الكونغرس، وإنما وصل أيضاً عدد من الأعضاء السود المخضرمين لمواقع قيادية عليا في زعامة الحزب الديمقراطي بمجلس النواب، الذي يضم الأغلبية الساحقة من الأعضاء السود بالمقارنة بمجلس الشيوخ.

لكن، ورغم ما يمثله كل ذلك من إنجاز على قدر كبير من الأهمية، يظل من المهم وضعه في سياقه. فالفوز بعضوية مجلس النواب ظل دوماً أيسر بكثير من عضوية مجلس الشيوخ أو بمناصب حكام الولايات. فخوض الانتخابات من أجل الفوز في دائرة من دوائر إحدى الولايات يكون عادة أغلبية ناخبيها من السود، يظل أيسر بكثير من الفوز في ولاية بأكملها، سواء بمقعد بمجلس الشيوخ أو بمنصب حاكم الولاية.

فمن بين مائة عضو، يخدم بمجلس الشيوخ ثلاثة فقط من السود، وهي بالمناسبة أعلى نسبة من السود يخدمون معاً في تاريخ ذلك المجلس، بينما لا يوجد في اللحظة الراهنة حاكم ولاية واحد من السود.

لكن التمثيل السياسي، رغم أهميته، ليس وحده المعبر عن أوضاع السود في الولايات المتحدة. ولعل الثلاثية الشهيرة التي دعا مارتن لوثر كنغ، في الأعوام الأخيرة قبل اغتياله، لمكافحتها هي الكاشفة بدرجة أكبر عن طبيعة أوضاع السود وربما غيرهم من الأقليات. فمارتن لوثر كنغ كان يعد أن ثلاثية «العنصرية والفقر والحروب» تضم عناصر متشابكة ومسؤولة، مجتمعة، عما يعاني منه المجتمع الأمريكي من علل.

ورغم أن التيار العام السائد في أمريكا يفضل أن يختزل ميراث كنغ في مجرد خطبة «لدي حلم» الشهيرة، إلا أن لكنغ عشرات الخطب التي عارض فيها صراحة حرب فيتنام والتدخلات العسكرية الأمريكية في الخارج، والتي تؤثر على المتاح من الميزانية الأمريكية للإنفاق على الخدمات العامة بالداخل.

وقد قضى كنغ الأعوام الأخيرة من عمره يكافح من أجل الحقوق الاقتصادية المتساوية. وفي هذا الجانب تحديداً تكشف الهوة بين البيض والسود عن نفسها بوضوح. فعلى سبيل المثال، أوضح بحث صدر أخيراً عن معهد دراسة السياسات حجم الهوة التي تفصل بين السود والبيض فيما يتعلق بالدخل والثروة.

فقد بينت الدراسة أن ما تروج له إدارة ترامب من انخفاض مستوي البطالة بين السود، رغم دقته، يظل وحده مؤشراً خادعاً عند النظر لمجمل الأوضاع الاقتصادية للسود. فقد بينت الدراسة أن متوسط ثروة الأسرة البيضاء ارتفع بنسبة 33% خلال الأعوام القليلة الماضية بينما انخفض متوسط ثروة الأسرة السوداء بمقدار النصف، فضلاً عن أن للأسرة البيضاء من الثروة ما يزيد بمقدار 41 نقطة بالمقارنة بالأسرة السوداء.

والحقيقة أن تلك النسب الخطيرة التي كشف عنها البحث الذي أصدره المركز لا يمكن فهمها دون ربطها، كما رأى مارتن لوثر كنغ نفسه، بالعنصرية. فالثروة التي تمتلكها الأسر الأمريكية يستحيل النظر إليها بمعزل عن سعر المنزل الذي تقتنيه.

وهنا تحديداً يتضح دور العنصرية. فالمنزل الذي يقع في حي أغلبية سكانه من السود يظل سعره أقل بكثير من سعر المنزل الذي يقع في حي أغلبيته من البيض. وتلك مسألة موثقة أثبتتها الكثير من الدراسات الأكاديمية.

فمجرد أن يصبح السود أغلبية في أحد الأحياء، تقل فوراً أسعار المنازل في ذلك الحي، الأمر الذي يؤدي مباشرة لخسارة الأسرة السوداء لثروتها التي كافحت من أجل جمعها لشراء منزل في حي معقول. وبمجرد أن تنخفض أسعار المنازل، تنخفض ضرائب الحي فينخفض معها مستوى الخدمات بما في ذلك مستوى المدارس، الأمر الذي يؤثر بشكل حيوي على مستقبل الأجيال الناشئة وفرصها في التعليم العالي ثم الوظائف.

لذلك، تبدو المفارقة أننا حتى لو اختزلنا ميراث مارتن لوثر كنغ في خطبة «لدي حلم»، يبدو المعنى المجازي الذي قصده في خطابه حين قال إن «أمريكا أعطت للسود شيكاً دون رصيد»، أقرب للواقع الذي يعيشه السود حرفياً منه للمجاز.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات