الأوروبيون والقلق السلبي المؤبد

قبيل إقرار الصهاينة الإسرائيليين لقانون القومية اليهودية في يوليو 2018، سعى الأوروبيون إلى الـتأثير على توجهات نواب الكنيست، لثنيهم عن التصويت لصالحه وعدم تمريره. وقتذاك، عبر سفير الاتحاد الأوروبي لدى إسرائيل لارس أندرسون عن مخاوفه من الرائحة العنصرية؛ التي تفوح من هذا القانون.

على الرغم من التزام الممثل الأوروبي باللياقة الدبلوماسية، على صعيدي أسلوب التحرك واللغة، إلا أنه قوبل بعاصفة إسرائيلية من الاحتجاج والتقريع؛ قادها بنفسه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. فبشكل متبجح، اتهم نتنياهو الأوروبيين بالتدخل في مسيرة التشريع الإسرائيلية وتمويل مشاريع غير قانونية في الضفة الغربية. وعلى المنوال ذاته، ذهب مسؤولون آخرون في حكومته إلى أن الأوروبيين يحاولون النيل من سيادة إسرائيل والإساءة لصورتها الدولية.

عطفاً على هذه المغاضبة، انتصر الأوروبيون لسفيرهم، وأشاروا في بيان اتحادي إلى أن نقاشاته مع النواب الإسرائيليين لا تخرج عن تقاليدهم «حيث يقوم سفراء الاتحاد بحوارات مع جميع الأطياف السياسية في برلمانات العالم، دون استثناء إسرائيل. وانهم يتدخلون أحياناً في مبادرات لدول شريكة».

التناظر المحموم بين بعض الأوروبيين والإسرائيليين، بشأن معاني القانون الإسرائيلي سييء الذكر وتداعياته الحقوقية والسياسية، لم يتوقف حتى ساعتنا هذه. وغالباً ما يفصح الأوروبيون عن شيء كثير من ضبط النفس؛ وهم يشهدون بأم أعينهم الشريك؛ الذي أسسوا لوجوده وأمدوه بأسباب الحياة والقوة، وهو يتنكر لأفضالهم ويرفع في وجوههم لواء السيادة والعزة الوطنية. والأهم أن هذا الشريك الجاحد يغفل، عمداً على الأرجح، كيف توسل عند النشأة والتأسيس بأنه سيكون في محيطه «الشرق أوسطي» ممثلا للقيم والمثل والمبادئ الغربية الأوروبية. وهو ادعاء مازال يردده صهاينة وإسرائيليو وقتنا الحالي.

ينص قانون القومية على أن «حق تقرير المصير في إسرائيل يقتصر على اليهود، والهجرة الموجبة للمواطنة هي لليهود فقط؛ والقدس الكبرى الموحدة عاصمة لإسرائيل؛ والتقويم العبري هو تقويمها الرسمي والعبرية لغتها الرسمية؛ فيما العربية لها مكانة خاصة للمتحدثين بها . وهكذا يتم استبعاد السكان الأصليين العرب، وهم زهاء خمس سكان إسرائيل، من سياق المواطنة الحقة على أرضية الاختلاف العرقي والديني. أين هذه الوضعية من القيم والمثل وفلسفة الاجتماع السياسي الغربية؛ التي يزعم الصهاينة، والخشية في عيونهم، أن دولتهم هي نموذجها في الربوع الشرق أوسطية؟

أغلب الظن أن استشعار الأوروبيين لانحراف هذا القانون بإسرائيل، بعيداً عن تصوراتهم لممارسة السياسة والحكم، هو ما أثار حفيظتهم وتحفظاتهم عليه. يتجلى هذا الفهم تماماً في طيات مقاربتهم لهذا المستجد» نحن نقدر التزام إسرائيل بالقيم المشتركة القائمة على الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكننا لا نريد أن نرى هذه القيم عرضة للخطر أو أنها مثار شكوك «.

بهذه المقاربة اللطيفة الحانية، يكاد لسان حال الأوروبيين ينطق برغبتهم في حماية نخب الحكم والسياسة الصهيونية من الغلو في إظهار حقيقتهم العنصرية. الأمر الذي يصعب الدفاع عنه. ولو كانت نيتهم التشهير بهذه النخب وفضح معتقداتها وسياساتها، لتم رميها بالعنصرية والتمييز العنصري بلا مواربة، حتى من قبل صدور القانون المنكود. ذلك أن الأوروبيين وسواهم من الخلق، على دراية بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وما يمارس في سياقه من عصيان صريح لكل المعايير القانونية الدولية، ناهيك عن مخالفته لثوابت المثل الديمقراطية في طبعتها الغربية على جانبي الأطلسي.

من غرائب سلوك الإسرائيليين، انهم ينسبون أنفسهم وكينونتهم الفكرية والنظامية السياسية إلى عالم الأوروبيين والفقه الديمقراطي، بينما ينتفضون ضد هذا العالم إذا ما لفت انتباههم إلى مجافاتهم لأصول هذا النسب وشروطه. ونحسب أن هذا المشهد عبثي بامتياز.

القصد، أن الأوروبيين ما كانوا يعالجون تجرؤ أية دولة على التمييز العنصري بين مواطنيها، بمجرد التعبير باستحياء عن القلق كما يفعلون مع إسرائيل. ولو كانت هذه الدولة المارقة من أعضاء الاتحاد، فلربما فصلوها من ملتهم الاتحادية حتى ترجع عن غيها. وللإنصاف، فإن بعض نشطاء الفضاء السياسي والحقوقي الأوروبي يدافعون عن هذا المعني تماماً. ومنهم البرلمانية الأيرلندية مارتينا أندرسون؛ التي صرحت مؤخراً بأن» الاتحاد الأوروبي يمكنه عمل الكثير لإنهاء مظاهر العنصرية في إسرائيل، غير إبداء القلق، كالاعتراف الكامل بدولة فلسطين وتوفير مقومات حل الدولتين ). وهذا لعمرك عين المطلوب إثباته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات