الأخ الأكبر

تخطط الصين لاستخدام كاميرات الدوائر التلفزيونية المغلقة والذكاء الاصطناعي في تتبع ومراقبة الناس في كل أنحاء البلاد بغية العثور على المطلوبين للعدالة. هذا ما أوردته صحيفة «ديلي ميل» البريطانية التي ذكرت أن هذه الخطوة سيشرف عليها جيش التحرير الشعبي الصيني، وسترتكز بشكل أساسي على الشبكة الوطنية لنظم وآليات المراقبة.

وقالت الصحيفة إن الصين اختبرت برنامجاً متطوراً لاكتشاف شخص متخفٍ، بغض النظر عن وضعيته أو مشيته، ونوّهت إلى أن السلطات تباشر العمل بالفعل على تطوير العديد من التقنيات المشابهة لتتبع مواطنيها الذين يزيد عددهم عن مليار شخص.

ويأمل المارد الصيني أن ينجح في نشر نظام درجة الائتمان الاجتماعي، الذي يصنف المواطنين على أساس سلوكياتهم، والذي يقضي بإضافة كل من لا يلتزمون بالقواعد إلى قائمة تمنعهم من التمتع ببعض الكماليات وأوجه الرفاهية، وهو النظام الذي بدأت تكثر حوله المخاوف، لا سيما فيما يتعلق بتداعياته الأخلاقية.

أول ما تبادر إلى ذهني عندما قرأت هذا الخبر رواية الكاتب البريطاني «جورج أورويل» الشهيرة «1984» المعروفة أيضاً باسم «الأخ الأكبر»، التي نشرها عام 1949 وصُنفت واحدة من أفضل 100 رواية في التاريخ، وتمت ترجمتها بحلول عام 1984 إلى 65 لغة رغم منعها في العديد من البلدان، وتحولت إلى فيلم سينمائي عام 1984 أيضاً.

وهي رواية متخيلة حاول أورويل من خلالها أن يقرع جرس إنذار لما يمكن أن يحدث في المستقبل، وتصور أورويل أحداثها في أعقاب حرب شاملة خرج البشر منها منهكين، جائعين، ويائسين، ونشأت على أثرها ثلاث دول شمولية متناحرة غدت تتحكم في العالم، هي «أوقيانيا» التي تشمل نصف الكرة الغربي والجزر البريطانية وأستراليا وشمالي أفريقيا، و«أوراسيا» التي تشمل أوروبا وروسيا وسيبيريا، و«إيستاسيا» التي تشمل الصين واليابان وكوريا والهند الصينية.

يعيش بطل الرواية «وينستون سميث» في «أوشينيا»، ويعمل محرراً في قسم الوثائق بوزارة «الحقيقة» المسؤولة عن الدعاية ومراجعة التاريخ، يتولى مراجعة الحقائق التاريخية ليتأكد من توافق الماضي مع موقف الحزب الذي يتغير باستمرار، ويقوم بإعادة كتابة المقالات القديمة وتغيير الحقائق التاريخية بحيث تتفق مع ما يعلنه الحزب على الدوام.

كما تبرز في الرواية شخصية «الأخ الأكبر» المسيطرة على كل القرارات، والتي تنشر في كل مكان أنها تراقب الجميع. أما حبكة الرواية فتكمن في التناقض الكبير بين شخصية بطل الرواية وينستون سميث، الموظف الحكومي الذي يزيف حقائق التاريخ، ووينستون سميث، المواطن الذي يكره الحزب من أعماقه، ويدوّن بطريقة خفية حقائق التاريخ التي يقوم بتزييفها لصالح الحزب بعيداً عن شرطة الفكر.

ليس من السهولة الحديث عن رواية «1984» في مساحة صغيرة كهذه، لكن الشاهد أنها قرعت الجرس لما يمكن أن يحدث، خاصة في الأنظمة الشمولية، مثلما حدث في الاتحاد السوفيتي السابق ودول أوروبا الشرقية قبل السقوط المدوي لهذه الأنظمة، واكتشاف العالم أنها كانت نموراً من ورق، تبدو من الخارج قوية، لكنها ضعيفة من الداخل، رغم الرقابة الصارمة التي تفرضها على شعوبها، لكن الأهم من هذا أن الأنظمة التي تدعي أنها غير شمولية وقعت في الفخ ذاته ولكن بطرق أكثر نعومة، فاستخدمت منصات ووسائط التواصل الاجتماعي لجمع المعلومات عن شعوبها والشعوب الأخرى، واستخدمتها لتحقيق أهدافها، فأثبتت أنها أسوأ من الأنظمة الشمولية، وأكثر ذكاء في استخدام هذه المنصات والوسائط لمراقبة شعوبها والشعوب الأخرى، وتدميرها بواسطة هذه الوسائل، بينما هذه الشعوب غارقة في وهم الانتصار الذي لا يتحقق لطرف على آخر، لأن سياسة هذه الدول قائمة على إضعاف كل الأطراف، وعدم السماح لأي طرف بهزيمة طرف، والمحافظة على توازن الضعف المرادف لتوازن القوى.

نموذج الصين الذي جاء في مقدمة المقال، ربما يكون واحداً من النماذج التي تستحق الالتفات إليها في ضوء فكرة «الأخ الأكبر» المسيطرة على رواية جورج أورويل. وفكرة استخدام الذكاء الاصطناعي وكاميرات الدوائر التلفزيونية المغلقة في تتبع ومراقبة الناس في أنحاء البلاد كافة، هي تطوير لفكرة الرصد في جمهورية «أوشينيا» المتخيلة، حيث لا يتمتع السكان بأي خصوصية حقيقية؛ ويعيش كثير منهم في شقق مزودة بكاميرات وشاشات عرض تراقبهم على مدار الساعة، وتنتشر تلك الكاميرات والشاشات في أماكن العمل والأماكن العامة، وإن لم توجد، فثمة ميكروفونات مخبأة في كل مكان.

حدث هذا في «أوشينيا» جورج أورويل المتخيلة، ويحدث من قبل حكومات دول كثيرة على أرض الواقع، مثلما تحاول الصين أن تفعل، كما هو وارد في الخبر، لكن الأهم من هذا كله أنه يحدث بأيدي البشر أنفسهم من خلال حساباتهم الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يستعرضون حركاتهم وسكناتهم منذ اللحظة التي يغادرون فيها أسرّتهم في الصباح، وربما قبلها أيضاً، وحتى يعودون إليها مرة أخرى في نهاية اليوم، وربما بعدها.

والأكثر ضرراً من هذا هو ما ترصده إدارات منصات هذه الوسائط، مثل فيسبوك وغيرها، وما تسجله من معلومات عن المشتركين فيها، كي تبيعه لشركات الإعلان والتسويق، ليتم استهدافنا بإعلاناتها في الأوقات التي تناسب السلع التي تعلن عنها، وكأنها تقرأ ما في نفوس البشر.

هذا الأخ الأكبر الذي يراقبنا، أصبح يسكن أجهزة حواسيبنا وهواتفنا النقالة، وهو الأكثر خطراً علينا، لأنه ينام ويصحو معنا، يرصد حركاتنا وسكناتنا، ينقلها للناس كافة بأيدينا، ويتخذ القرارات نيابة عنا، وهذه واحدة من أكبر مصائب العصر الذي نعيشه اليوم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات