تصنيع الأدوية محلياً في دبي .. تغيير في قواعد اللعبة

مع استمرار التطور الذي يشهده قطاع الرعاية الصحية في إمارة دبي، تتزايد تطلعات الشركات العالمية للاستفادة من هذه السوق المذهلة والمربحة، التي يتوقع لها أن تواصل نموها بنسبة 9.6 في المئة لتصل قيمتها إلى 25.6 مليار دولار أمريكي بحلول العام 2022.

ومن ناحية أخرى، يسهم النمو السكاني المتزايد، والموقع الجغرافي الحيوي لإمارة دبي بين الأسواق الرئيسية الناشئة المتميزة، ذات الشهية الواسعة للمنتجات والسلع الحديثة، في جعل المدينة وجهة استراتيجية لاستيراد مختلف أنواع المنتجات.

ما بين عامي 2007 و2017، ارتفعت قيمة واردات دبي المتنوعة بين المواد الغذائية والمواد الخام والمنسوجات والمستحضرات الصيدلانية من 132 مليار دولار أمريكي لتصل إلى 268 مليار دولار أمريكي، وهو ما شكّل زيادة نسبتها 103 في المئة خلال فترة تزيد قليلاً عن عقد من الزمن.

ويتيح هذا النمو المذهل فرصة فريدة أمام دبي للتحول إلى مركز دولي للتصنيع، والحدّ من اعتمادها على الواردات، مع زيادة إنتاجها من البضائع المخصصة للتصدير. ولتحقيق هذا الهدف، ينبغي على الشركات والحكومات تحسين قدراتها الخاصة والعمل معاً بشكل وثيق في هذا الإطار.

خلال السنوات الماضية، تفاوتت النسب المئوية للميزان التجاري في دولة الإمارات بشكل ملحوظ. وتظهر أرقام عام 2017 أن الدولة اعتمدت على الواردات التي زادت عن الصادرات بنسبة بلغت 61 بالمئة.

وقد أخذت حكومة دبي تلك الأرقام في الاعتبار عند وضعها استراتيجية دبي الصناعية 2030، الخطة الطموحة التي تسعى إلى زيادة الإنتاج، والتمكين الاستراتيجي للقطاعات المهمة بهدف تحويل دبي إلى منصة تصنيع مفضلة لأهم الشركات على مستوى العالم.

وأصبحت استراتيجية دبي الجديدة دافعاً مهماً لتطوير قطاعات الطيران، والبحرية، وصناعات الألمنيوم والمعادن، والسلع الاستهلاكية سريعة التداول، والأغذية والمشروبات، إلى جانب قطاع الأدوية والمعدات الطبية.

وتشير التوقعات الإيجابية إلى أن تنامي قدرات القطاعات الصناعية سيزيد من إجمالي الناتج المحلي لإمارة دبي بمقدار 43.5 مليار دولار أمريكي، كما سترفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي بمقدار 4.9 مليارات دولار أمريكي.

وعلاوة على ذلك، يتوقع أن تزيد الخطة بشكل كبير من قدرات البحث والتطوير مع إضافة 27 ألف وظيفة متخصصة، و4.3 مليارات دولار إضافية إلى صادرات البلاد.

حظيت قطاعات الرعاية الصحية والأدوية والمعدات الطبية بأولوية خاصة ضمن استراتيجية دبي الصناعية 2030. وبفضل الاستثمارات الكبيرة في البحث والتطوير، تعدّ هذه القطاعات طليعة التقدم التقني، وتطوير المنتجات التي تسهم في تغيير قواعد اللعبة الصناعية.

وسعياً لاغتنام هذه الفرصة، تم في العام الماضي إنشاء فريق عمل قطاع صناعة الأدوية والمعدات الطبية في إطار استراتيجية دبي الصناعية 2030 بهدف تطوير قطاع الرعاية الصحية المحلي مع التركيز على تصنيع الأدوية النوعية، والمغذيات، وإنتاج بلازما الدم، والطباعة الطبية ثلاثية الأبعاد، وتقنيات تسلسل الحمض النووي الجديدة.

ويسعى فريق العمل إلى إنشاء منظومة عمل موائمة لقطاع الرعاية الصحية، تتميز ببيئتها التنظيمية السليمة، وحماية الملكية الفكرية، وتوفير البنية التحتية وقدرات البحث والتطوير اللازمة، فضلاً عن تمكين المواهب، وتعزيز العلاقات التجارية وتحسين الاستراتيجيات الصناعية.

لم يأتِ تركيز دبي على قطاع الأدوية والمعدات الطبية من فراغ، وقد تجلّت القيمة الكبيرة التي أضافها هذا القطاع إلى الاقتصاد مع افتتاح منشأة «فارماكس فارماسيوتيكلس» في مجمع دبي للعلوم، خلال وقت سابق من هذا الشهر.

ويعدّ المصنع الذي بلغت كلفته 34 مليون دولار أمريكي أول منشأة تصنيع متطورة تفتتح في المجمّع الذي يُعنى بالعلوم والأبحاث. وزوّدت المنشأة بأحدث التقنيات الأوروبية التي تلبي أعلى المعايير التنظيمية العالمية، على مساحة تصل إلى 100 ألف قدم مربعة، وتتجاوز قدرتها الإنتاجية السنوية 200 مليون كبسولة دوائية، مع توقعات بأن تتجاوز إنتاجيتها 800 مليون كبسولة خلال السنوات الخمس المقبلة، توفر أدوية لعلاج الأمراض المزمنة الشائعة في منطقة الشرق الأوسط.

أصبح بإمكاننا الآن إنتاج أدوية محلية لعلاج أمراض القلب والأوعية الدموية، والاضطرابات النفسية والعصبية، وأمراض الجهاز الهضمي، والاضطرابات الأيضية مثل زيادة شحوم الدم والسكري، وأمراض الجهاز العصبي المركزي، والأمراض البكتيرية والفيروسية المعدية، والأمراض التنفسية مثل الربو والحساسية، وأمراض التهاب المفاصل والعظام والمسالك البولية.

ومن ناحية أخرى، تسهم مبادرة «فارماكس» بإحداث أثر إيجابي على الاقتصاد المحلي، من خلال الوظائف التي أوجدتها بصورة مباشرة، وعبر مساعدة دبي على الاعتماد بشكل أقل على الواردات الأجنبية، لتقدم بذلك نموذجاً لغيرها من شركات تصنيع الأدوية، وتوجّه انتباهها إلى الجدوى الاقتصادية لمدينة دبي، وموقعها الاستراتيجي الملائم لإطلاق منشآتها الصناعية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات