تأملات في مستقبل الحرب على الإرهاب

قوى الإرهاب الرئيسية في العالم بمسمياتها المختلفة تقبع في منطقة الشرق الأوسط والشمال الأفريقي، وبتحديد أكثر دقة في البلدان العربية، ساحات النصر التي حققتها هذه القوى تقع أيضاً في هذه المنطقة، والخراب الذي ترتب على هذه النجاحات حصدته أيضاً مدنها وشعوبها، فما الذي سيترتب على ذلك في المستقبل؟

الأسرة الدولية التي ذاقت الكثير من لسعات هذه القوى في القارة الأوروبية بشكل خاص تهتم بالهدف الأساسي لهذا الصراع وهو هزيمتها عسكرياً وإبعاد عناصرها عن أراضي القارة وزيادة القيود والضوابط التي لا تسمح بعودة داعش أو أي تنظيم إرهابي آخر، فالصراع مع الإرهاب في هذه القارة لا يسهم بإحداث تغيرات في البنى السياسية والمجتمعية في دولها على خلاف ما هو متوقع أن يحدثه هذا الصراع في منطقة الشرق الأوسط منبت الحركات الإرهابية.

المنطقة تمرّ بمرحلة غير عادية في سياقات الحرب المستمرة على التنظيمات الإرهابية قد يصح اعتبارها تاريخية من منظور أنها مرحلة صراعات وجود من المتوقع أن تتمخض عنها في المستقبل تحوّلات في الرؤى على المستويات الفكرية والسياسية والاجتماعية.

التحوّلات التي شهدتها المنطقة في القرن المنصرم بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية بفعل نشوء حركات التحرر الوطني التي انطلقت بالدرجة الأولى من رؤى ومعتقدات أيديولوجية يسارية وقومية لم تكن حصيلتها رغم صدق النوايا سوى أنظمة دكتاتورية شمولية قمعية فرضت نفسها بأدوات تغيير عسكرية فشلت في إنجاز التحوّلات السياسية والاجتماعية وفق معطيات تتفق مع طبيعة العصر وحاجات هذه المجتمعات، بل قادتها في بعض الحالات إلى كوارث.

ردود الفعل لهذه الحصيلة لم تكن مستغربة، إذ لم تعد الأحزاب والحركات السياسية حريصة على التعلق بالأيديولوجيات في عرض برامجها السياسية أو في مقاربة تنفيذها على الرغم من أن بعضها لا يزال يحمل إثمه الأيديولوجي القديم، فأغلبيتها قد جنح نحو قدر من البراغماتية في مقاربة قضايا المجتمع. ويعتمد النجاح في ذلك على مدى تفهم هذه النخب لطبيعة المرحلة والقبول بالأدوار الجديدة التي تتطلبها بغض النظر عن مدى توافقها مع الرؤى الأيديولوجية والسياسية التي تحملها، فقد وضعت هذه المرحلة التي تتميز بوعورة مساراتها تكتلات سياسية ومجاميع سكانية لا تنتمي إلى زمن تأريخي واحد قيد مواجهات لا تتقبل التهادن.

الخلافات العرضية القابلة للزوال تدريجياً من خلال العمل التوافقي المشترك لا تشكل إعاقات حقيقية أمام تقبل نهج لا يتعارض مع الدور الجديد وفق الضوابط التي تتناغم مع النظام العالمي ومع قناعات الأسرة الدولية، إذ لم يعد هناك متسع في النظام العالمي القائم لمشاريع الأحلام الكبيرة التي حملتها هذه الأحزاب والحركات السياسية التي صمدت في مواقفها التي لا تتقبل المساومة سنين طويلة، حيث وجدت نفسها في نهاية المطاف غير قادرة على الاستمرار في النهج ذاته، وأصبح البقاء في ساحاتها القديمة أكثر صعوبة عن ذي قبل لأسباب عديدة يرجع بعضها إلى تغير في سمات العصر وصعود قيادات جديدة تمتلك رؤى مغايرة أو وصول تلك الأحزاب إلى سدة الحكم وما يترتب على ذلك من الدخول في توافقات ومساومات مع الآخرين تفرضها الحالة الجديدة أو أنها أعادت قراءة تجارب الماضي من زاوية جديدة أو تلبية للتغيرات التي حدثت في المزاج العام أو بسبب تراجع في جمهورها أو غير ذلك. وقد شجعها على ذلك تغير في المناخ السياسي في بلدانها قبلت في إطاره بالتعايش مع الأنظمة السياسية القائمة والاستفادة مما تمنحه لها صناديق الاقتراع من فرص للوصول إلى الحكم،

إلا أن هذه التطورات لا تلغي حقيقة أن هذه المجتمعات لا تزال غير قادرة على إبعاد نفسها عن تركة الماضي والانسلاخ فكرياً عن الرؤى التقليدية المحافظة المتوارثة، فهي لا تزال ميّالة بشكل ما لإعادة إنتاج نظام الحكم الفردي المتشح بديمقراطية زائفة وفق انتخابات شكلية لا تشكل تهديداً حقيقياً للنظام الذي أقامه، فمما يثير القلق حقاً أن دور النخب الفكرية والسياسية في المنطقة في صياغة استراتيجية واضحة لهذه التحولات لا يزال قاصراً.

* كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات