فلسطين ومجموعة ال77.. رئاسة استثنائية

أخذت مجموعة الـ77 مسماها من عدد الدول المؤسسة لها في يونيو 1964، أثناء فعاليات مؤتمر التجارة العالمية التابع للأمم المتحدة (أونكتاد). وعند إطلالته، حظي هذا التوجه بدعم الصين، وبمرور الوقت تصاعد التنسيق بينها وبينه، حتى أضيف اسمها إلى اسم أصحابه وعرف العالم منذعام 1996 مجموعة الـ77 والصين.

لكن الانطلاقة الحقيقية لهذا الإطار كانت عام 1967، حين تم إقرار هيكله التنظيمي وتعريف مقاصده (تحالف من الدول النامية، لترقية المصالح الاقتصادية لأعضائه وخلق قدرة تفاوضية مشتركة في نطاق الأمم المتحدة ).

تحت هذا الهدف العريض، تعني المجموعة بعدد كبير من القضايا ذات الأبعاد العالمية، العابرة للقارات، التي تلقي بظلالها علي البشر أجمعين. لكنها تضع نصب أعينها الملفات الملحة على دولها الأعضاء، كالفقر ومستويات المعيشة والصحة والتعليم والبيئة والمناخ والطاقة والتصحر وأوضاع المرأة والشباب والبطالة والبنى التحتية. والغرض الأسمى من وراء هذه الاهتمامات ونحوها حسن استغلال وتوجيه الموارد البشرية والطبيعية.

لهذه المجموعة صلات وثيقة بمعظم التكوينات ذات التوجهات والوظائف التنموية الاجتماعية والاقتصادية في الدول الأعضاء، ولها تمثيل دائم أو كلمة مسموعة في معظم المنظمات التابعة للأمم المتحدة، كما أنها ممثلة في صندوق النقد والبنك الدوليين.

حسناً، هذه المجموعة واسعة التمدد في أرجاء المعمورة، التي ينضوي تحت لوائها ثلاثة أرباع دول العالم المستقلة ذات السيادة (134 دولة)، وتضطلع موضوعياً بمعالجة كل الهموم اللصيقة بحيوات زهاء ثمانين في المئة من البشر، يستحوذون على أكثر من 40 في المئة من الاقتصاد العالمي. ولها علاقات وازنة مع أهم التنظيمات الدولية، قررت أن تكون تحت رئاسة دولة فلسطين، الرازخة أرضاً وشعباً وسلطة حكم تحت الاحتلال!

لحظة تسلم هذه الرئاسة، تعهد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالدفاع عن الحق في التنمية بما في ذلك للدول التي تعيش تحت الاستعمار والاحتلال الأجنبي، الذي يعيق تطورهم. بمزيج شديد الغرابة والتفرد، يجمع بين مشاعر الاعتزاز بثقة هذا المحفل الكبير وإبداء القدرة على أداء الوظيفة وبين العتب والأسى، لفت الرجل نظر الحاضرين الي حالة فلسطين الاستثنائية.

تبوؤ هذا المنصب يعني أن فلسطين، على الرغم من حالتها هذه وهوانها السياسي، سوف تتفاوض باسم مجموعة الـ77 والصين بكل مواصفاتها القياسية المشار إليها شكلاً ومضموناً، وأنها مستأمنة علي حمل أعباء دولية ثقيلة.

المعني بكلام آخر أن الدنيا بأسرها، باستثناء فواعل قليلين، ترى أن فلسطين راغبة في، وقادرة على، الوفاء بوعود هذه المجموعة. ونحسب أن هذا التقدير صحيح تماماً. ففلسطين فيها من ذوي الملكات والإمكانات والإبداعات في حقول الاجتماع والاقتصاد والعلوم والفنون والآداب، ما يفي بالغرض. والأهم أن لديها من تجارب الشقاء والمعاناة، ما يضاعف الأحاسيس ويرهفها ويرققها تجاه قضايا الشعوب النامية والأقل نمواً. وهذه وضعية ليس لها جزاء إلا الحق في الاستقلال وحرية تقرير المصير.

نود التنبيه إلى أن شبه الإجماع الدولي على الوثوق في جدارة فلسطين للاضطلاع بأدوار عالمية ريادية، فيما هي الدولة الوحيدة المستذلة بالاحتلال في هذا العصر والأوان، أمر مثير جداً للدهشة والاستهجان.

الأسئلة هنا تزاحم بعضها البعض، منها بلا حصر: كيف يسمح أصحاب هذه الثقة باستمرار خضوع الدولة التي تترأسهم للاحتلال؟ لم لا يتوقفون ملياً عند هذه المفارقة ؟!. أوليس التأكد من الإضافة الإيجابية التي يمثلها انعتاق الفلسطينيين واستقلالهم واستقرارهم، بالنسبة لحاضر عالمنا ومستقبله، بكاف للسعي عملياً وجدياً وبكل الوسائل الممكنة لتحرير فلسطين ؟!.

في كل حال، يحسب لأعضاء الـ77 والصين انهم قفزوا من فوق حواجز الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي، وانتشلوا فلسطين جزئياً وبوأوها مكانة دولية ومقاماً رفيعاً رأوا أنها تستحقه. لكننا نطمع في إدراكهم لما ينبغي عليهم فعله كخطوة تالية، وهو الخروج علي العالم بفلسطين الدولة الحرة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف. نحن إزاء كتلة وازنة بوسعها، إذا ما اصطفت بصلابة خلف القرارات الأممية العاطفة علي الحقوق الوطنية الفلسطينية، تحقيق هذا المراد.

ذات حين، قرر المؤتمر الصهيوني العالمي الأول(إنشاء وطن لليهود عبر عدد من الأدوات، بينها الحصول على تأييد وضمان دول العالم والقانون العام ). هكذا فطن الصهاينة المؤسسون إلى أهمية العامل الدولي في إنجاز مشروعهم، رغم افتقاده للشرعية التاريخية وللمشروعية الحقوقية. وتقديرنا أن الفلسطينيين وأنصارهم أولى بهذه الفطنة. ولذلك فليعمل العاملون.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات