استراتيجية الدفاع عن الحياة

يعد الموقف من القتل هو المعيار الحاسم للتمييز بين البربرية والحضارة وقياس درجة انتصار الحضارة على البربرية، حتى ليمكن القول بأن سلطة الشعوب البدائية التي تعيش في بعض غابات أفريقيا وأمريكا الجنوبية في تحاشيها القتل، وتقديسها للحياة، سلطة أكثر حضارة بما لا يقاس من سلطة تمارس القتل وتبرره، فالموقف من الإنسان وحياته هو معيار التحضر الإنساني، وقيمة القيم في التسامح البشري.

بل إن احتفال القاتل بالقتل وبالموت، وعقد دبكات الأفراح بقتل الأبرياء بقاء المحتفلين في الدرك الأسفل من الحياة.

والمجتمع الذي لم يستطع أن يحل تناقضاته بالكلام وخلافاته بالحوار شبه مجتمع وليس مجتمعاً. المجتمع الذي تفرض عليه جماعة مسلحة أن يخوض حرباً أهلية دفاعاً عن متسلطين، هو مجتمع لم يصل بعد إلى معنى الحياة المعشرية المشتركة، القائمة على الانتماء والهوية الواحدة والتضامن والتعاون المشترك.

وقِس على ذلك السلطة التي تواجه مطلب الحرية والإنصاف بالقمع والعنف والعنجهية والقتل والاعتقال، قوة عاجزة مغتربة ومدمرة لمعنى الإنسان بوصفه غاية، وهي المسؤولة مسؤولية مباشرة عن حمل المجتمع على رد الفعل الشبيه لفعلها.

واحتكار السلطة بالقوة، أي احتكار القوة وسيلة للاستمرار في السلطة، وتوسل قتل الآخر للاحتفاظ بها، أعلى درجات الهمجية في عصرنا الراهن. وماذا نقول عمن يحتكرون الدين ويمارسون باسمه أبشع الجرائم في تاريخ البشرية.

لا فرق بين عقل السيارة المفخخة وعقل الدكتاتور سوى أن السيارة المفخخة تقتل بعض سكان الحي والمارة، والدكتاتور يقتل المجتمع والحياة والثقافة.

والمثقف الذي يبرر القتل ويؤيد القاتل قاتل بالضرورة.

والانتصار الحقيقي للحياة على الموت هو انتصار اللغة سلاحاً، وانتصار اللغة انتصار الثقافة على البربرية، فاللغة يجب أن تكون الوسيلة الوحيدة لحل الخلاف، القانون المكتوب الذي صاغته النخبة، الدستور الذي يحمي الحق والقانون معاً، المؤسسة التي تنظم حياة الناس المصلحية.

إذا ما طبقنا روح ما قلناه الآن على واقعنا العربي الذي يشهد الأشكال الهمجية من القتل، فإن القتلة اليوم يتكونون من: جماعة حاكمة تستخدم كل أدوات القتل ضد المجتمع من السلاح الكيميائي إلى البراميل المتفجرة، إلى الاعتقال والقتل داخل السجون، ومن ميليشيا طائفية مجرمة في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر، فداعش والنصرة وما شابه ذلك، والحشد الشعبي وقوات بدر وحزب الله والزينبيون وما شابه ذلك، ومن الحوثيين ولواء القدس وما شابه ذلك.

يجب ذكر القتلة من دون تورية، ونضيف: يجب قيام دولة خالية من الفساد والقمع والفقر، هذه الشروط الثلاثة التي تسمح للأصوليين القتلة من كل الأنواع لاستغلال حاجات الناس والانخراط في ميليشيا اليأس والقتل.

بقي أن نقول بأن الموقف من أية دولة تدعم القتلة علناً أو سراً يجب أن يكون حازماً لا هوادة فيه. وإيران اليوم تقف على قمة الدول الداعمة للقتلة من كل أنواع القتلة التي ذكرنا.

أجل نريد عالماً بلا قتل، نريد عالماً بلا أيديولوجيا قتل، نريد عالماً يشع بأنوار الحياة، التسامح والإخاء والمحبة والتضامن والاختلاف في كل تعبيراته السلمية.

هذه ليست دعوة أيديولوجية، هذه استراتيجية لكل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والثقافيين في بلادنا، إنها استراتيجية الدفاع عن الحياة، استراتيجية الدفاع عن حب الحياة، استراتيجية الدفاع عن آمال الناس المتجهة إلى المستقبل، مستقبل بلا عنف، مستقبل يحقق الكبرياء البشري.

إن استراتيجية الدفاع عن الحياة هي استراتيجية سياسية معرفية تعليمية تربوية قيمية اقتصادية ثقافية كلية ومترابطة، إنها استراتيجية الخروج من المأزق التاريخي الذي تعيش فيه بعض بلداننا، إنها استراتيجية العقل.

 

* كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات