تحليل

من يقود من؟

تتحالف الدول فيما بينها لتعزيز قدراتها الدفاعية، فيتعهد الحلفاء بالوقوف إلى جانب بعضهم البعض إذا نشبت الحرب. غير أن الأمر ليس بهذه البساطة، فالطريقة التي تعمل بها الأحلاف مليئة بالتعقيدات والتفاصيل المضنية، حتى أن القائد الفرنسي الشهير نابليون بونابرت قال إنه يفضل الحرب ضد حلف، على أن يحارب ضمن حلف.

الأحلاف لا تعمل من تلقاء نفسها؛ فالدول عندما تنضم للحلف تلزم نفسها بالمشاركة في الدفاع عن أعضاء الحلف الآخرين، لكنها لا تتخلى عن سيادتها، وعن حقها في أن تقرر لنفسها وبنفسها ما إذا كان العدوان قد وقع بالفعل، وما إذا كانت الأزمة المترتبة على وقوع العدوان متطابقة مع التصورات والسيناريوهات التي كانت في ذهنها عندما اختارت الدخول في الحلف، وأنه لا مجال لحل الأزمة سلمياً، وأن أي حديث عن التفاوض وتجنب الحرب سيفهم على أنه دليل ضعف يغري على المزيد من العدوان.

الدخول في حلف ليس كتوقيع شيك على بياض يمكن لأعضاء الحلف الآخرين صرفه في الوقت وبالطريقة التي يحبونها. عضوية الحلف لا تضمن الحصول على الدعم التلقائي من جانب أعضاء الحلف الآخرين إذا ما اشتعلت الحرب؛ فالحلف ليس نظاماً تلقائياً لاتخاذ قرار الحرب بمعزل عن إرادة أعضاء الحلف، ولكنه نظام للتواصل والتدبر واتخاذ القرار المشترك، وإلا تحول الحلف إلى أداة مجنونة للحرب في يد أكثر أطرافه استعداداً للمغامرة، وأقلهم استعداداً لتحمل المسؤولية، فيتمكن الطرف الأضعف في الحلف من تحويل الأطراف الأقوى إلى خدم لمصالحه، يجرهم للدخول إلى حروبه الصغيرة، فيورطهم فيها، ويحولها إلى حروب وأزمات كبرى.

الأحلاف فيها أعضاء كبار وأعضاء صغار؛ وعلى الدول الكبيرة عدم التردد أو التهاون في قيادة الحلف. صحيح أن الحلف مملوك لكل أعضائه، إلا أن الإدارة الديمقراطية للحلف لا يجب لها أن تتعارض مع حقائق القوة، والتي يجب لجميع أعضاء الحلف احترامها، فيمارس الطرف الأكبر حقوق القيادة ويتمتع بميزاتها، فيما يلتزم الطرف الأصغر بالانضباط للسياسات والقرارات التي يتخذها الحلف.

قد يبدو هذا الكلام منطقياً وبسيطاً؛ إلا أن خبرات التاريخ تبين أن الدول قد تخفق في تطبيق هذه القواعد البسيطة، وخاصة القاعدة القائلة بأن الحلف ليس نظاماً تلقائياً للدعم، والقاعدة الأخرى القائلة بعدم السماح للطرف الأصغر في الحلف بقيادته واختيار حروبه وتوقيتاتها، وربما كانت الحرب العالمية الأولى هي أشهر مثال على ذلك الإخفاق.

قبل أن تنشب الحرب العالمية الأولى كان هناك حلفان متنافسان في القارة الأوروبية. تحت قيادة ألمانيا كان هناك حلف المركز الذي ضم ألمانيا والنمسا وأطرافاً أصغر أقل أهمية، في مواجهة تحالف آخر تقوده فرنسا وروسيا، ويتمتع بدعم بريطانيا العظمى. كانت النمسا إمبراطورية كبيرة تتبعها شعوب كثيرة في البلقان وشرق أوربا، أغلبها من الشعوب السلافية التي تتزعم روسيا حركة استقلالها ووحدتها، فيما كانت الحركات القومية السلافية والدول السلافية الصغيرة تتحدى النمسا معتمدة على الدعم الروسي.

بدأت الأزمة التي انتهت باشتعال الحرب العالمية الأولى عندما قام أحد القوميين الصرب، في 28 يونيو 1914، باغتيال الأرشدوق فرانز فرديناند ولي عهد النمسا، في سراييفو عاصمة البوسنة، التي كانت في ذلك الوقت إقليماً تابعاً للنمسا. ردت النمسا بمطالبة صربيا بقائمة طويلة من التنازلات المهينة، وهددت بمهاجمة صربيا إن لم تقبل بهذه الشروط. رفضت صربيا الشروط النمساوية اعتماداً على الدعم الروسي المضمون؛ فيما أعلنت النمسا الحرب على صربيا اعتماداً على الدعم الألماني المضمون. أعلنت روسيا الحرب على النمسا دفاعاً عن حليفتها الصغيرة صربيا؛ فتبعتها ألمانيا بإعلان الحرب على روسيا دفاعاً عن حليفتها الصغيرة النمسا؛ لتقرر فرنسا وبريطانيا دخول الحرب بعد ذلك بأيام قليلة. كان الأمر جنونياً، فقرار الحرب بدا كما لو كان قد تم اتخاذه في صربيا الصغيرة، أو على أحسن تقدير في النمسا الحليف الأصغر في حلف المركز؛ فيما بدت الدول الكبيرة بحجم روسيا وألمانيا وفرنسا وكأنها أدوات يتلاعب بها حلفاؤهم الصغار.

لدينا في العالم العربي أمثلة مشابهة. ففي فبراير 1966 وصل لحكم سوريا حزب البعث، وقام حكام سوريا الجدد بتشجيع العمليات الفدائية ضد إسرائيل انطلاقاً من سوريا. كان الوضع يزداد توتراً على الجبهة، فيما كان حكام دمشق يراهنون على الدعم الذي سيلقونه من العرب الآخرين والجماهير العربية، خاصة مصر الناصرية، ولم يخب ظنهم. ففي شهر مايو 1967 قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بحشد الجيش في سيناء على الحدود مع إسرائيل، وطلب من قوات حفظ السلام الأممية التي كانت موجودة على الحدود منذ عشر سنوات بالرحيل، ثم قام بإغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، لتنتهي الأزمة بنشوب حرب يونيو 1967 التي خسرتها مصر وسوريا والأردن، والتي لم تكن لتقع لو تمسك الكبار بالتصرف بطريقة تلائم قدراتهم، ولو حل التواصل والتدبر المشترك محل التضامن التلقائي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات