عن مسخرة «اللاجئين اليهود»

عبر عمليات استخبارية سرية، استماتت الحركة الصهيونية لأجل استفزاز اليهود العرب وتحريضهم، بالوعد والإغراء وبالتخويف والوعيد، على مغادرة مواطنهم ومساقط رؤوسهم والهجرة إلى كيانها السياسي الاستيطاني إسرائيل. كل القادة الصهاينة الذين تبوأوا رئاسة جهاز الموساد، يفاخرون بأدوارهم في هذا المضمار، ويتخذون من نجاحاتهم فيها درة التاج في سيرهم الذاتية المهنية البغيضة.

المفارقة هنا، أنه من خلال الطابع السري ذاته، تضطلع الدوائر الصهيونية في أيامنا هذه بحصر ممتلكات اليهود الذين تباهي بنقلهم من بلاد العرب، باعتبارهم «لاجئين» في إسرائيل. آخر الأنباء التي ترددها المصادر الإسرائيلية بهذا الخصوص أن هذا الحصر «يجري سراً منذ عام ونصف في عشر دول عربية، من قبل شركة مراقبة حسابات دولية لصالح الحكومة. وقد انتهت إلى تقدير ممتلكات يهود ليبيا وتونس بخمسين مليار دولار؛ بينما تتوقع وصول الرقم إلى 250 ملياراً عند اكتمال هذه العملية».

هناك والحال كذلك، لجان صهيونية ومتصهينة تشمل خبراء أنساب ومثمنين ومحاسبين ونحوهم، تتجول وتجوس في أحشاء المدن والقرى والنجوع العربية، تحت أغطية وعناوين لا ندري ماهيتها، بلا رقيب أو حسيب. هذا في حد ذاته اختراق مثير للحفيظة والاستفهام.

ولا يقل عن ذلك مدعاة للغضب، الأقوال المنسوبة إلى مسؤولين إسرائيليين، حول أن الخطة الأمريكية الغامضة الشهيرة بصفقة القرن، لن تقتصر على التسوية الفلسطينية فقط وإنما ستطال دولاً عربية أيضاً، بداعي مطالبتها بتعويضات عن الممتلكات الجاري حصرها.

قبل تسعة أعوام، أقر الكنيست الإسرائيلي ما سمي بقانون تعويض يهود العالم العربي وإيران، وفيه تم تعريف اللاجئ اليهودي بأنه «كل إسرائيلي، كان مواطناً في الدول المذكورة وتركها بسبب ملاحقته لكونه يهودياً، ولم يحظ بالحماية من هذه الملاحقة».

وقتذاك، علق جمال زحالقة النائب العربي في الكنيست معترضاً، بأن اليهود لم يتركوا بلادهم بسبب الملاحقة المزعومة، وإنما لأن الصهيونية جلبتهم واحتفت بهجرتهم، وسأل كيف يسمى لاجئاً من يحتفل بهجرته؟!

وإذا أراد هؤلاء التعويض فليطلبوه ممن جاء بهم إلى إسرائيل، كي يوظفهم في مشروعه لاستعمار فلسطين، وإجبار أهلها على الهجرة واللجوء. وقد وضع زحالقة يده على المراد من وراء القانون المأفون حين ذكر بأنه «مناورة لشطب حقوق اللاجئين الفلسطينيين، مقابل الادعاء بحقوق لليهود في الدول العربية».

هذه معالجة ذكية لواحدة من البدع التي ينسج الصهاينة خيوطها بدأب غير عابئين بما تنطوي عليه من عوار ظاهر وباطن. واستكمالاً لمنطق زحالقة القوي، نعظ العاملين على هذه المسخرة بالمثل القائل إنه إذا كنت كذوباً فكن ذكوراً.

لقد نسي هؤلاء في مقاربتهم كيف أن قضايا اللجوء عموماً، سواء حدثت لأسباب طبيعية أم جرت تحت إكراه أفعال البشر بالبشر، لا يمكن أن تدور في خفاء. وأن أحاديثهم المشوقة حول التدابير السرية لتهجير اليهود العرب إلى إسرائيل، هي حجة عليهم في هذا الباب. وقد نسوا أيضاً أنهم في العام 2014 قدروا ممتلكات اليهود المغادرين بثلاثمئة مليار دولار.

المتواتر والمتفق عليه في فقه اللجوء، أن العودة إلى الديار ومساقط الرؤوس هي أفضل الحلول لمن أجبر على الرحيل منها؛ فهل تم عرض هذا الحل على من يوصفون بـ«اللاجئين اليهود»؟ وكيف يوفق الساسة الصهاينة والإسرائيليون بين زعمهم بأن هجرة اليهود عموماً إلى إسرائيل هي ممارسة لحق العودة، ويسنون قانوناً بهذا الاسم، وبين ادعائهم بأن اليهود العرب هم لاجئون في أرض إسرائيل؟

كيف يكون المرء لاجئاً وعائداً في الوقت والمكان ذاتيهما؟! ما سمعنا ولا سمع أحد من العالمين بهذا من قبل. وإذا كان القصد من افتعال هذه القضية هو مكايدة حق العودة الفلسطيني؛ المدرج على الأجندة الدولية بقرارات أممية معلومة، فلماذا لا يقرن الصهاينة والإسرائيليون دعواهم بتعويض لاجئيهم بمطلب عودتهم، على غرار ما يفعل الفلسطينيون؟!

إلى ذلك ونحوه، فإنه حتى إذا سايرنا المنطق الصهيوني، متجاهلين جدلاً تنطعه الفكري وسخافته الحقوقية، تظل التساؤلات قائمة حول ما إن كان على الفلسطينيين تحمل نتائج قضية، تخص دولاً عربية وإقليمية ذات سيادة؟ وعطفاً على السوابق والخبرات، تساورنا الشكوك حول احتمال طي هذا الملف. ولذا، ننصح بالاستعداد فلسطينياً، وعربياً دون ريب، للتعامل معه؛ فلطالما أنتج الصهاينة والإسرائيليون ومشايعوهم فرقعات كبرى من مستصغر القضايا وأكثرها تهافتاً.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات