إيران تختبر صبر الأوروبيين

تصاب كل محاولة من الدول الأوروبية في إقناع الولايات المتحدة بأن نظام الملالي في إيران يمكنه أن يكون دولة طبيعية لو أعطيت له فرصة لإثبات نفسه تصاب تلك المحاولة، بصدمة سياسية كبيرة.

وتقل معها كل الآمال الأوروبية في تخفيف حدة التوتر بينهما وبالتالي تنخفض معها توقعات الأوروبيين في تهدئة الوضع المتأزم، آخر تلك الصدمات إعلان النظام في إيران، يوم الجمعة، عن نيته تجربة صاروخ باليستي خلال الأسبوعيين القادمين وذلك زعماً عن استيائه من عدم تمكن الأوروبيين في إنقاذ الاتفاقية النووية التي انسحبت منها الولايات المتحدة وفرضت على أساسها أعنف عقوبات اقتصادية على إيران.

التصعيد الإيراني، الحالي أو في المرات السابقة، وتجاهله للدور الأوروبي في الضغط على الإدارة الأمريكية الحالية خاصة في ملفات منطقة الشرق الأوسط يدل على وجود مشكلة حقيقية للنظام الإيراني أبسطها الجهل بأوضاع المجتمع الدولي فالاتحاد الأوروبي ومن خلال تركيزه على المصالح الاقتصادية أكثر من المسائل السياسية يعمل على إنقاذ النظام الإيراني وتهدئة الوضع مع الولايات المتحدة ويبذل جهداً للوصول إلى حل وسط.

كما يدل هذا التصعيد على الجهل بالوضع الداخلي الإيراني نفسه، الذي يتمنى أن يزداد النظام في تشويه نفسه خارجياً ويجد مبرراً للتدخل الخارجي ودعم انتفاضته الداخلية القائمة على الإنفاق على أسلحة وصواريخ لا تهم الإنسان الإيراني.

ما يبدو واضحاً للمراقبين أن النظام الإيراني بغطرسته يحاول أن يختبر صبر الدول الأوروبية - متجاهلاً للضغط الأمريكي عليها - الذين هم أقرب حلفائه في موضوع الملف النووي إلا أن هذه المرة فإن اختباره لن يكون في مصلحته خاصة من فرنسا وبريطانيا، الدولتين اللتين لهما حضورهما في المنطقة وفي أوروبا وتأثيرهما يعتبر الأقوى مع الولايات المتحدة، حيث طالبا بوقف التجارب الإيرانية ولو بتطبيق العقوبات عليها.

إن سلوكيات النظام الإيراني لما يحدث بينه وبين المجتمع الدولي لا علاقة له، فعلياً، بالعلاقات الدولية التي تحتاج في كثير من الأحيان إلى التهدئة مع القوى العظمى خاصة في لحظات معينة منها، ولا علاقة له بموازين القوى فالاتحاد الأوروبي رغم حضوره الدولي ونشاطه السياسي إلا أن تأثيره على القرار الأمريكي خاصة في العلاقات الإيرانية - الأمريكية ليس بتلك القوة التي يعتقدها النظام الإيراني، الذي يعتمد على قراءة أيديولوجية ثورية بحتة.

التجارب التاريخية تذكرنا أن ما تفعله إيران حالياً فعله كثيرون، مثل نظام صدام حسين، بل قبله ما كان يسمى بـ«الاتحاد السوفييتي»، فالمكابرة بتهديد استقرار العالم هو استفزاز للرأي العام العالمي وزيادة الإنفاق على التجارب الصاروخية في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الإيراني من الجوع والفقر والبطالة بنسب كبيرة، يغضب الرأي العام الداخلي.

ليت قادة إيران الحاليون يتعلمون من التجارب السابقة ويستفيدون من الجهود الأوروبية الصادقة معهم في الخروج من مأزق الملف النووي وعدم اختبار صبرهم على تجاوزاتهم من خلال محاولات تهديد استقرار وضعهم الداخلي من خلال محاولات الاغتيال لمعارضي النظام الإيراني، لأن النتيجة ستكون موقفاً عالمياً ضده وربما هذا الذي سيحدث خلال أقل من شهر من الآن، حيث ستعقد قمة عالمية في هلسنكي لمناقشة تطوير إيران للصواريخ الباليستية التي يمكن أن تحمل رؤوساً نووية إلى أوروبا.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يشن حملة قوية للتضييق على تجاوزات إيران في منطقة الشرق الأوسط، وقد نجح بنسبة معينة في توجيه المجتمع الدولي للسير على خطه ولكن الأوروبيين ما زالوا يقاومون موقفه الصلب بشيء من الهدوء، إلا أن الإيرانيين يضغطون على الأوروبيين بطرق غير دبلوماسية تضعف مواقفهم السياسية الأمر الذي يدفع إلى تعميق المأزق الإيراني.

القلق أن يعتقد النظام الإيراني أنه يمكن أن يحقق مكاسب سياسية من خلال تهديد المجتمع الدولي بإعلان تجاربه الصاروخية الباليستية، فالوقت ليس في صالحه، كما أنها مغامرة غير محسوبة العواقب في ظل حالة التضييق العالمي.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات