حرية الموظف في التعبير

هناك قانون تعاقدي شهير في الولايات المتحدة الأميركية يحمي بمقتضاه كل محاضر في الجامعة من الفصل التعسفي أو المفاجئ لأسباب متعلقة بآرائه. وجاء أيضاً لحمايته من الأطروحات العلمية المغايرة للسائد وغيرها من آراء صريحة التي لا يتقبلها مجتمعه.

ويطلق على هذا الاتفاق الذي صدر في القرن التاسع عشر ومازال سارياً مصطلح tenure وهو يشبه الأمنية التي يتطلع إليها أي باحث رصين، لأنه بمثابة الشهادة بغزارة إنتاجه العلمي الذي يجب أن يُحمى.

غير أن مهناً أخرى ما زالت عرضة لأن يدفع الموظف فيها الثمن غالياً ليس لسبب، سوى أنه قرر البوح برأيه وبكل صراحة لم تعجب المدير أو الوزير أو مجلس الإدارة. مشكلة من يحاولون وأد رأي الموظف كمن يدس رأسه في التراب تماماً كالنعامة عندما تعترضها أول مشكلة! وقصص تدوير وتهميش و«تفنيش» المخالفين للرأي السائد أكثر من أن تحصى.

المسؤولون الذين يخافون من الرأي الآخر ينسون أنهم في مركب واحد مع مخالفيهم، فإذا ما غرقت سفينتهم فسيدفع الجميع الثمن غالياً. ولو أن كل مسؤول همّش أو تجاهل حرية الموظف في التعبير لوقعت كوارث عديدة لا تحمد عقباها.

فلنتخيل لو أن ذلك الملاح لم يخبر قبطان سفينة «تايتانيك» بصراحة عن اقترابهم في ظلمة الليل الدامس من جبل جليدي هائل، لما تمكن الربان من تداركه بقليل من الانحراف عن مسار الاصطدام. وربما لم ينجُ أحد قط من هول الكارثة. ولو تجاهل قائدو الطائرات ما يقوله مساعدوهم لوقعت مصائب لا تحمد عواقبها.

ولو تجاهل المسؤولون الانتقادات اللاذعة للقراصنة أو المبرمجين الشباب لأنظمة الحواسيب لأكبر مؤسسات الدول لما تمكنت من التصدي أصلاً لأعتى هجمات القرصنة. وربما هذا ما دفع السعودية في سابقة لافتة إلى جلب أكبر عدد من المبرمجين، وربما من بينهم ضالعون في شؤون القرصنة، لتستمع إلى آرائهم في ملتقى كبير عقد في العاصمة الرياض.

أذكر حينما توليت منصباً قيادياً رفيعاً، كان أول ما فعلته أن فتحت كراستي ثم بدأت بكتابة ملاحظات العاملين. حيث شرعت في استقبال «كل الموظفين» بلا استثناء على انفراد لأدوّن انتقاداتهم بكل صراحة عن المؤسسة، ومنها رأيهم الصريح في مديرهم الحالي! وضمنت لهم أن أحداً منهم لن يتعرض لأذى لأن ما سيبوحون به سيحاط بالسرية التامة.

وقد صعقت من حجم المعلومات التي تراكمت عن الممارسات القبيحة الخفية التي يمارسها البعض ضد زملائهم. استبعدت الحالات الفردية والمبالغات واستندت في النتائج إلى ما تواتر من قصص وحقائق تأكدت من دقتها من مصادر مستقلة. ثم بدأنا صفحة جديدة من التطوير الإداري، لكنها حقبة كانت قاسية على البعض ممن استحق آخر دواء وهو «الكي».

قوة اتخاذ القرار تكمن في التمعّن بالرأي المخالف مهما كان صريحاً أو قاسياً. فحينما يدرك متخذ القرار تداعيات قراره، من قبل الناصحين وليس «المطبّلين»، فإنه يكون على بينه بعواقبه الوخيمة.

ولأن القرارات في الحياة ليس فيها أبيض أو أسود، بل هناك منطقة رمادية منسية فكان من المهم أن نتمعّن في الآراء المتحفّظة أو التي تؤثر السلامة، فقد تكشف لنا خوافي تلك المساحة الرمادية أو القاتمة.

لن يتردد أحد في إبداء الرأي البناء شريطة أن يجد الأمان في عمله. ومن واقع التجارب والاستشارات وجدت أن حرية التعبير تأتي عادة مقرونة بالقيادي الواثق من نفسه في العمل. وعندما تشيع حرية التعبير في مؤسسة ما فإنها تضفي أجواء صحية ومريحة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات