ثمانية على ثمانية

في عالم طب العيون، وفي أبسط اختبارات قوة النظر يشار إلى سليم النظر بمصطلح ستة على ستة، والذي يعني سلامة العينين وقوة النظر، ولكن عندما نتحدث عن نظرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فالمعايير مختلفة والمقاييس مغايرة، فنظرة سموه للمستقبل ثمانية على ثمانية، ورؤيته تفوق هذا الرقم بأضعاف مضاعفة.

خمسون عاماً من العطاء من أجل الوطن لخّصها سموه بثمانية مبادئ بينت طبيعة الحكم في دبي، ثمانية مسارات لنهج حكام دبي جميعها تصل وتصب في اتجاه واحد؛ مصلحة الإمارات، والاتحاد ودعائمه وركائزه فوق أي اعتبار، وفوق أي اسم مهما تبدلت الوجوه والأسماء، ومصلحة الاتحاد فوق مصلحة الجميع، وهذا ما عبر عنه سموه في المبدأ الأول للحكم، الذي يعيدنا إلى أساسيات بناء الإمارات، وكأننا اليوم أمام وثيقة الاتحاد التي وقعت في الثاني من ديسمبر عام 1971، وكأن الموقع على هذا المبدأ هم الآباء المؤسسون للاتحاد.

جاء سموه في العنوان الثاني لمبادئ الحكم «لا أحد فوق القانون» بجملة استوقفتني وهي «أنا بريء من كل ظالم، وستبقى الأسرة الحاكمة بريئة من كل ظلم ما بقيت تحكم هذه الإمارة»، فهذه الجملة تحمل دلالات كبيرة يجب الالتفات لها.

فأي ظلم يحصل في دبي مسؤول عنه الشخص الظالم مهما كانت درجته أو مكانته أو حتى منصبه، وهذا الإدلاء الذي جاء به سموه يشعر الجميع بالاطمئنان ويحقق مفهوم العدالة بحذافيره، فعندما تعيش في مكان تستطيع محاسبة أي شخص ظالم، والجميع سواسية أمام عدالة القضاء فهنا تتحقق العدالة المجتمعية التي ينشدها المجتمع ويتطلع إليها كل مظلوم.

خمسون عاماً وسموه يصنع من دبي عاصمة الاقتصاد العالمي، ويجعل منها مقصداً للتجار والمستثمرين، وهذا ما ركز عليه سموه في مبدئه الثالث «نحن عاصمة الاقتصاد»، مبتعداً عن السياسة ومنحنياتها وألاعيبها التي لا تصنع إلا العداوة مع الآخر.

فدبي كما يراها سموه صديقة للجميع، مرحبة بالجميع مهما اختلفت منابتهم وأصولهم وأفكارهم ومعتقداتهم؛ خمسون عاماً وسموه يصنع أيقونة العجائب «دبي» ليجعل منها عاصمة للعالم، ويتوجها على عرش الأماكن الأكثر تفضيلاً لأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين، وذلك بفضل المرونة في القرارات الحكومية والتميز في الخدمات المقدمة، وخلق المنافسة بين القطاعات الخاصة والحكومية في جودة الخدمات، وهذا ما جاء في مبدئه الرابع «النمو له محركات ثلاثة».

سموه ارتقى بالمنظومة المجتمعية ارتقاءً غير مسبوق، فأطلق المبادرات العديدة التي من شأنها الارتقاء بالمجتمع وخصوصاً الفئات الخاصة، فحرص سموه على تمييز أصحاب الهمم وإعطائهم حقوقهم، وأيضاً ميّز ومنح مميزات خاصة لأصحاب الدخل المحدود، وكبار السن وأسماهم كبار المواطنين، وكل هذا جعل لمجتمع الإمارات طبيعة خاصة متماسكة متقبلة للجميع، ولهذا جاء في المبدأ الخامس للحكم أن «مجتمعنا له‭ ‬شخصية متفردة»، شخصية أخذت من طابع وطباع شيوخها التميز والبحث عن الارتقاء والتطور، والتسامح مع الجميع، وقبولهم على أرضنا ووطننا بصدر رحب.

عهدنا دبي منفتحة على الاقتصاد العالمي، ومنوعة لهذا الاقتصاد، ومن يقرأ تاريخ دبي يعرف أن التجارة هي القلب النابض لها منذ عشرات السنين، وفي إشارة سموه لدستور دبي غير المكتوب 1883 أن الهدف كان وما زال هو «التنوع الاقتصادي» وهو المبدأ السادس الذي خطه سموه، وهذا من أفضل المبادئ التي تحافظ على مكانة إماراتنا الغالية في عالم الاقتصاد العالمي، وتجعلها تحتفظ بما حققته من إنجازات في هذا الصعيد.

أما المبدأ السابع للحكم «أرض المواهب»، ودبي حقيقة أرض للمواهب من أصحاب الإبداعات الفكرية والثقافية والفنية والرياضية، فهؤلاء هم القادرون على ابتكار كل ما هو جديد ومنافس، وهؤلاء من باستطاعتهم خلق اقتصادات جديدة، ووجود هؤلاء على أرضنا يعزز مكانتنا العالمية ويزيد من قوتنا الناعمة، فنتاج عقولهم ستعود بالنفع على بلادنا، وسموه أكد على ضرورة الاستمرار في جعل دبي الأرض الخصبة لهؤلاء المبتكرين المتميزين، ونحن بدورنا كمواطنين يجب أن نحترم تواجد هذه العقول على أرضنا، ونشجع تواجدهم من خلال حضور فعالياتهم وأحداثهم، فهم جزء من قوتنا وهم يكنون كامل الاحترام لدولتنا التي احتضنتهم ومكنت مواهبهم وإبداعاتهم.

أما المبدأ الثامن «نفكر ‭‬بالأجيال»، فسموه فريد من نوعه في هذا الأمر، فخطة الإمارات 2071 وتطلعات دولتنا المستقبلية جميعها للأجيال القادمة، فسموه يستشرف المستقبل من أجل إيجاد بيئة مستدامة ودولة مستدامة للأجيال القادمة، وجعل هذه الأجيال تفكر لتاريخها الذي يكتبه سموه في هذا الحاضر المزدهر. ‬‬

ثمانية مبادئ تجعلنا نتعلم من صاحب خبرة استثنائية، صانع المعجزات ومحطم الأرقام، سيد الانفتاح العالمي، مبتكر المبادرات، قائد الإنجازات، صاحب الأرقام الصعبة، ثمانية مبادئ من أهم الدروس العالمية في مبادئ الحكم الحديثة التي اتخذت من الحداثة عنواناً ونموذجاً للتطبيق، وامتزجت بالعراقة الإماراتية وعراقة آل مكتوم التي عهدنا منها الريادة في كل شيء، والطموح العالي اللامحدود، سموه بهذه المبادئ كأنه يؤسس لحكم مستدام يعيش طويلاً بمقوماته التي تطلبها وتتمناها المجتمعات، فبحق شكراً صاحب السمو الشيخ محمد.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات