أفشوا التهاني بينكم

يوم الثلاثاء الماضي، الأول من شهر يناير من العام الجديد، فتح أغلب الناس هواتفهم المتحركة ليجدوا سيلاً من رسائل التهنئة بالعام الجديد؛ رسائل ليس فيها كفر بنعم الله، ولا دعوات بالموت والهلاك على عباد الله، وإنما أمنيات بأن يكون العام الجديد عام خير وسلام ومحبة وبركة عليهم وعلى البشرية جمعاء.

أعترف بأنني لست من الذين يردون بشكل منتظم على رسائل الصباح والمساء وأيام الجمعة التي يرسلها الأصدقاء، ليس ترفعاً ولا استعلاء وإنما انشغالاً. لكنني هذا اليوم وجدت أنه من عدم اللياقة أن لا أرد على رسائل التهنئة، خاصة وأن بعضها من أصدقاء قليلاً ما يرسلون، إلا في مثل هذه المناسبات. لذلك بدأت في الرد عليهم، وأرسلت إلى «القروبات» التي يتفضل بعض الأصدقاء بضمي إليها، وأخجل من الخروج منها تقديراً لمن أضافني، وكي لا يفوتني شيء من المفيد الذي يتضمنه الكثير منها، رغم أنني نادراً ما أشارك في الحوارات التي تجري بين الأصدقاء عبرها.

في أحد هذه «القروبات» أرسلت تهنئة من أربع كلمات. وقبل أن يجف حبر رسالتي، وعذراً لاستخدام هذا المصطلح الذي لم يعد له مكان الآن، وجدت أحد الأعضاء يرسل مقطع فيديو من أحد برامج الفتاوى، يتصل فيه أحد المشاهدين بالبرنامج مبتدئاً بالسلام، فيرد عليه مقدم البرنامج والشيخ الذي يجيب على أسئلة المشاهدين: «وعليكم السلام ورحمة الله». يقول المتصل: «مساكم الله بالخير». يرد المقدم: «حياك الله». يقول المتصل: «كل عام وأنتم بخير إن شاء الله». تحل فترة صمت قصيرة، يقول بعدها المقدم: «تفضل.. سؤالك». وقبل أن يطرح المتصل سؤاله يتدخل الشيخ قائلاً: «يا أخي هذا ليس له أصل؛ أن تهنيء بالعام. تهنيء بالعيد.. عيد الأضحى أو عيد الفطر. هذا الذي تهنيء فيه. أما العام فلا يُهَنّأ فيه. هذا لم يَرِدْ».

فهمت مغزى الرسالة التي أراد العضو أن يوجهها لي ولغيري من الذين سبقوني بالتهنئة، أو الذين يفكرون بإرسال تهنئة بعدي وفكرت بالرد، غير أنني تراجعت في اللحظة الأخيرة كي لا أفتح جدلاً أعرف مسبقاً أنه لن يؤدي إلى نتيجة. أمسكت بالصحيفة التي أمامي فوجدت عنوانها الرئيسي «خليفة ومحمد بن راشد ومحمد بن زايد يهنئون قادة الدول بالعام الجديد». عدت إلى يوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر الماضي عندما هنأ صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، الأخوة المسيحيين بعيد الميلاد المجيد، وتمنى لهم الخير والسعادة والأمان في كل أنحاء المعمورة، وقال في تدوينة عبر حساب سموه الرسمي في تويتر: «من أرض التسامح والمحبة والتعايش.. نهنئ المسيحيين بعيد الميلاد المجيد، متمنين لهم الخير والسعادة والأمان في كل أنحاء المعمورة، ليعم السلام بين شعوب العالم. تعزيز قيم التسامح نهج أصيل في دولة الإمارات، إيماناً منّا بأنها من أهم ركائز تقدم الأمم وتحضّرها على مر العصور». ثم قلت: هل يمكن أن يكون زميلنا عضو «القروب» على صواب ونحن جميعاً على خطأ؟

تأملت مرة أخرى تاريخ اليوم فوجدته الأول من شهر يناير من العام الذي أعلنه صاحب السمو رئيس الدولة «عاماً للتسامح»، يرسخ دولة الإمارات عاصمة عالمية للتسامح، وتأكيد قيمة التسامح باعتبارها عملاً مؤسسياً مستداماً من خلال مجموعة من التشريعات والسياسات الهادفة إلى تعميق قيم التسامح والحوار وتقبل الآخر، والانفتاح على الثقافات المختلفة... بما تنعكس آثاره الإيجابية على المجتمع بصورة عامة، معتبرا سموه أن عام التسامح هو امتداد لـ «عام زايد» كونه يحمل أسمى القيم التي عمل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، على ترسيخها لدى أبناء الإمارات، مؤكداً أن التسامح قيمة أساسية في بناء المجتمعات واستقرار الدول وسعادة الشعوب.

تأملت كل هذا واسترجعت ما فعله بنا التشدد والتزمت وإقصاء الآخر، وكيف أن التطرف يبدأ بمثل هذه الأشياء التي نظن أنها صغيرة، ثم تكبر مثل كرة النار حتى تتحول إلى مواقف عدائية من الآخرين، تتكون على أثرها الجماعات المتطرفة التي تتخذ من العنف أسلوباً للإعلان عن نفسها وتحقيق أهدافها، فتصبح بذلك عنواناً للإرهاب في نظر العالم. هذا هو ما حدث في البداية مع كل الجماعات المتطرفة التي ظهرت في بعض المجتمعات والبلدان، وتحولت بعد ذلك إلى منظمات إرهابية مثل «القاعدة» و«داعش» في المجتمعات الإسلامية، ومثل «كو كلوكس كلان» في المجتمعات المسيحية، وجماعة «أمناء جبل الهيكل» و«حركة كاخ» المتطرفتين في المجتمعات اليهودية، وغيرها من الجماعات والمنظمات المتطرفة المنتشرة في بلدان العالم المختلفة، التي تتخذ من العنف وسيلة لتحقيق أهدافها، وتنشر الذعر والخوف في كل مكان، خاصة في التجمعات التي يحتفل فيها الناس بأعيادهم ومناسباتهم الدينية، وتدفع البعض إلى الاعتراض على جملة من أربع كلمات، محتواها «كل عام وأنتم بخير».

لقد أكد صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، أن إعلان عام 2019 «عاماً للتسامح» في دولة الإمارات يعكس النهج الذي تبنته الدولة منذ تأسيسها في أن تكون جسر تواصل وتلاق بين شعوب العالم وثقافاته، في بيئة منفتحة وقائمة على الاحترام ونبذ التطرف وتقبل الآخر. لذلك نتمنى على الذين يحاولون أن يحيدوا بنا عن هذا النهج أن يتخلوا عن أفكارهم هذه، وأن يفشوا التهاني بينهم كي تصفو قلوبهم وقلوب الآخرين لهم.

* كاتب إماراتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات