قل الصهيونية ولا تقل العبرية

بعض الأدبيات العربية، دون استثناء الفلسطينية منها، تقع في خطأ جسيم بالمعنيين التاريخي الأنثروبولوجي واللغوي الاصطلاحي، حين تصف إسرائيل بالدولة العبرية. ويتجلى الخطأ ذاته عندما يتم تنسيب صهاينة هذا العصر وإسرائيلييه إلى مفهومي العبرية والعبرانيين القدامى.

جوهر هذه المقاربة النقدية هو ضرورة التمييز أو مراعاة الفوارق، بين الإسرائيليين ودولتهم الصهيونية المعلنة منذ منتصف القرن الماضي، وبين القبائل المعروفة ببني إسرائيل وكينوناتهم العرقية والاجتماعية والدينية.

غياب هذا التمييز من شأنه تخليق انطباعات وصور ذهنية فكرية، وإنشاء جسور تاريخية، توشك عبر التكرار أن تؤكد، من حيث يدري الغافلون أو لا يدرون، صحة بعض أهم الأسس والمزاعم التي تستند إليها الرواية الصهيونية. وهي أن يهود اليوم ودولتهم يمثلون إعادة وصل لما انقطع من سيرة الآباء والأجداد في فلسطين وجوارها الإقليمي، التي تسمى عندهم يهوذا والسامرة ونحوها من المسميات الدارسة أو المصطنعة.

ندرك تماماً مدى سخافة الاعتماد في بناء الدول والكينونات السياسية الحديثة والمعاصرة، على السير التاريخية للقبائل والشعوب والأمم البائدة والمشكوك في وجودها أصلاً، قبل آلاف السنين. كما نعرف مع ذوي الاختصاص، مدى تهافت الاعتقاد باستمرارية النقاء العرقي لأي جماعة من البشر لعشرات القرون. وأنه لو اتخذ عالمنا من سير الأولين والأقدمين وبدعة الطهرية العرقية ذريعة لتصفيف الدول وإعمار الكيانات السياسية، لأصيبت الخريطة الدولية القائمة بالفوضى الدامية وحالة من الدمار الشامل. وليس صحيحاً ما قد يقال عن ارتباط مفهوم الدولة العبرية باللغة التي يتحدث بها الإسرائيليون، ليس فقط لأن العبرية من اللغات المهجورة التي يسعى الصهاينة لإحيائها وترميمها لينطق بها مستوطنو كيانهم السياسي، وإنما أيضاً لأن الدول لا تسمى وفقاً للغات شعوبها، وإلا أصبحنا بصدد أكثر من ثلاثمئة دولة في بلد كالهند وما يزيد على ألف دولة في القارة الأفريقية. لكن ما العمل إن كان الخطاب الصهيوني لا يقيم وزناً لهذه الحيثيات، ويستميت لجرجرة الخلق أجمعين بعيداً عنها وتحريكهم في الاتجاه الذي يريد؟

أضعف الإيمان في هذا الإطار، هو عدم الانسياق وراء المفاهيم والتعبيرات والمصطلحات التي يصكها ويروج لها الفكر الصهيوني، ويحاول بثها ومأسستها وبيعها للعقل والوجدان العالمي الجمعي. ولا ريب في أن العرب هم أولى الناس بهذه النصيحة، لاسيما أن جانباً معتبراً من أهل الذكر اليهود، تولوا بأنفسهم تفنيد مفردات هذا الفكر وتجلية ما تنطوي عليه روايته التفصيلية من خطايا وافتعال.

يدعونا هذا المقام إلى التذكير بالنتائج التي توصل إليها المؤرخ اليهودي آرثر كوستلر، وضمنها في كتابه الشهير قبل أربعين عاماً «القبيلة الثالثة عشر. إمبراطورية الخزر». وجاء فيه أن اليهود الحاليين ليسوا من نسل بني إسرائيل، وهم عموماً آريون قوقازيون من الخزر والأتراك، الذين أنشأوا كياناً بين البحر الأسود وبحر قزوين. وقد تشتتوا بعد هزيمتهم الساحقة على أيدي المغولي جنكيز خان في منتصف القرن الثالث عشر. ويعد شلومو ساند واحداً من أساتذة التاريخ، الذين لم تصرفهم يهوديتهم عن الحياد العلمي والموضوعية الفكرية، وقد كان أكثر عمقاً حين ذكر أن «إسرائيل ولدت من رحم الاغتصاب. ويهود اليوم فيها ليسوا أحفاد شعب عتيق عاش في مملكة اسمها يهوذا، وإنما تعود أصولهم إلى شعوب متعددة، اعتنقت اليهودية في مراحل مختلفة على مر التاريخ. فالشعب اليهودي مجرد اختراع لشعب بأثر رجعي. والمخترع هنا هو الحركة الصهيونية، التي تستند إلى خرافة أسطورية محورها أن الأقوام اليهودية تشكل شعباً واحداً له جذر تاريخي واحد».

عبر ثلاثة مؤلفات فكرية تاريخية، يبرهن ساند على أنه لا علاقة بين العبريين القدامى واليهود الحاليين، ويدحض أي ادعاء حول شعور اليهود بالسيادة على «أرض إسرائيل»، ويشير إلى أنه حتى الحرب العالمية الثانية، كانت غالبية يهود أوروبا الشرقية والغربية معادين للصهيونية. وهو يؤكد بالإحصاءات أنهم هرعوا إلى الولايات المتحدة، حيث هاجر إليها بين 1882 و1924 نحو المليونين ونصف المليون يهودي.

والحال كذلك، كم يبدو مثيراً للدهشة والأسى، ألا تكون أفكار كوستلر وساند ومن على شاكلتيهما، قد بلغت عقول بعض المختصين، دون الإشارة إلى كثير من عامة العرب وعوامهم، بحيث دأبوا على تدثير إسرائيل والإسرائيليين بأثواب العبرية والعبرانيين، بغير هدى ولا كتاب منير.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات