الخليج وبريطانيا وما بعد «البريكست»

لا شك بأن بريطانيا وهي تخطط للانسحاب من الاتحاد الأوروبي بعد أربعة عقود أمضتها كعضو في هذا الكيان الوحدوي، قد وضعت لنفسها خطة ورؤية معينة لفترة ما بعد الانسحاب تهدف إلى نسج شراكات اقتصادية مع حلفائها وخاصة دول الخليج.

فالخروج أو «البريكست» كما يسمى لن يأتي دون ثمن باهظ تدفعه بريطانيا نظير الطلاق السياسي من الاتحاد الأوروبي. ولهذا فإن بريطانيا التي سوف تنهي إجراءات ذلك الطلاق في مدة أقصاها 29 من مارس 2019، تضع منطقة الخليج على رأس أجندتها للتعامل معها اقتصادياً بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.

فمنطقة الخليج تمثل ثقلاً اقتصادياً ومستورداً رئيساً للسلع البريطانية على الرغم من أنها لن تعوض عن أوروبا في نظر المحللين، ولكنها بالتأكيد سوف ترفد الاقتصاد البريطاني بمليارات الجنيهات في صورة سلع واستثمارات خليجية في بريطانيا. فحجم التبادل التجاري بين دول الخليج وبريطانيا يبلغ ما قيمته 22 مليار دولار سنوياً في صورة بضائع وسلع بريطانية إلى الخليج. كما تستورد بريطانيا حاجتها من النفط والغاز من هذه الدول.

من جانبها تنظر دول الخليج إلى بريطانيا بكثير من التفاؤل والثقة، انطلاقاً من العلاقات التاريخية التي تربط دول الخليج ببريطانيا. فذلك التاريخ المشترك وتلك العلاقات القوية مهدت الأرضية لقيام تعاون مشترك في صورة استثمارات مشتركة لرؤوس الأموال الخليجية في بريطانيا وتسهيل لقدوم الأعمال والاستثمارات البريطانية في دول الخليج. ولكن هل تولدت لدى الطرفين الثقة الكاملة في بروز تعاون مشترك يعزز الثقة في اقتصاد الطرفين ويعطي دفعة قوية لكليهما للمضي قدماً في بلورة ذلك التعاون؟

من جانبها تنظر بريطانيا نظرة تفاؤل إلى دول الخليج بوصفها سوقاً مستهلكة للبضائع البريطانية ومصدراً للطاقة التي تحتاجها الأسواق العالمية. كما أن حركة التنمية في هذه الدول الناشئة تعني أنها سوف تكون في حاجة مستمرة للسلع والخدمات البريطانية. أما دول الخليج فهي الأخرى تنظر إلى بريطانيا نظرة فيها الكثير من الثقة. فالعلاقات التاريخية بين الطرفين تعني أن دول الخليج تضع دائماً المملكة المتحدة كحليف قوي ليس على الصعيد الاقتصادي فقط بل السياسي والعسكري أيضا.

وعلى الرغم من أن بعض المحللين قد أسدوا النصح لدول الخليج باتخاذ الحيطة والحذر خوفاً من تدني العملة البريطانية والمخاطر التي تحوط بالاستثمارات الخليجية في بريطانيا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي إلا أن ذلك لن يثني كما يبدو، دول الخليج من بلورة تعاون أعمق مع بريطانيا في الفترة اللاحقة.

وعلى صعيد السياحة فهناك ملايين السياح الخليجيون الذين يتوافدون على بريطانيا في كل عام وينفقون مليارات الجنيهات في صورة استثمارات عقارية واقتصادية. كما أن هناك ملايين السياح البريطانيين الذين يتوافدون على دول الخليج سواء للعمل أو السياحة أو الإقامة.

إن الخروج البريطاني من أوروبا، على الرغم من ثقل ملفه، إلا أن بريطانيا التي صوت شعبها على الخروج من ذلك التكتل، تنظر إلى الخيارات الأخرى المتاحة لها بعد الخروج.

وتبدو منطقة الخليج من أفضل الخيارات بجانب القارة الهندية ودول الكومنولث. ولكن هذه الدول تبدو أقل جاذبية من دول الخليج التي تمتلك رأس المال والقدرة الشرائية التي ترغب بريطانيا في توظيفها لخدمة الاقتصاد البريطاني والذي يعاني من ركود في هذه الفترة كبقية دول العالم.

أمنياً، تنظر دول الخليج إلى بريطانيا بوصفها حليفاً قوياً في مواجهة التهديدات الإيرانية في الخليج. ولهذا فإن الطرفين مستعدان لإعطاء زخم قوي للعلاقات الخليجية -البريطانية لمواجهة ذلك الخطر. فبريطانيا على استعداد لمساعدة دول الخليج على حماية أمنها واستقرارها في مواجهة التهديدات الإيرانية. كما أن دول الخليج تنظر إلى بريطانيا لمساعدتها على حماية أمنها واستقرارها عبر التعاون الأمني والعسكري، مع إمكانية توسيع ذلك التعاون مستقبلاً ليشمل مجالات أخرى.

بعض المراقبين اعتبر بأن قبول بعض دول الخليج إنشاء قواعد عسكرية بريطانية في الخليج هي ضرب لثلاثة عصافير بحجر واحد: تسليط الضوء على أهمية بريطانيا في الخليج في موازاة القوى الدولية الأخرى كالولايات المتحدة مثلاً، ومكافحة الإرهاب، وإعادة الزخم للعلاقات البريطانية التاريخية مع دول الخليج.

المستقبل القريب سوف يحمل الكثير من التغير لكل من بريطانيا والخليج. بريطانيا التي سوف تعبر إلى مرحلة جديدة من تاريخها بعيداً عن أوروبا، والخليج الذي سوف يبدأ مرحلة جديدة في التعامل مع بريطانيا بعد البريكست.

*جامعة الإمارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات