«وزارات سيادية» مصطلح في غير محله

مع بدء تشكيل الوزارة بعد كل انتخابات تشريعية في العراق يتجدد الحديث عن «الوزارات السيادية» ويحتدم التنافس على من يشغلها حيث توضع الوزارات المختصة بالجانب الأمني، الداخلية والدفاع في صدارتها وقد يضاف إليهما وزارتا المالية والخارجية هذا في الوقت الذي تقبع فيه وزارة الثقافة في مؤخرة القائمة من حيث أهميتها في نظر المتنافسين.

الخلاف على من يشغل وزارتي الداخلية والدفاع في حكومة عبد المهدي قد تجاوز المستويات السابقة التي تختتم عادة بالتوافق ليدخل مرحلة كسر الإرادات ويصبح عقدة توشك أن تصيب الحياة السياسية بالشلل.

بداية لا بد من تسليط الضوء على معنى «السيادية» لإزالة الالتباس الذي يحيط بها في المعجم السياسي، فالدستور يخلو من نص كهذا لأنه لا يميز بين وزارة وأخرى من حيث الأهمية، فهذا المصطلح الملتبس قد استعاره سياسيو العراق الجدد من آخرين لم يسجلوا أية نجاحات في ابتداعه واعتماده وتوظيفه على الرغم من مرور ثلاثة عقود على ذلك.

«الوزارات السيادية» مصطلح ولد لأول مرة في الوسط السياسي اللبناني مع إبرام اتفاقية الطائف عام 1989 التي أنهيت بموجبها الحرب الأهلية في لبنان حيث اعتبرت الوزارات التي تُعنى بالقضايا الأمنية الدفاع والداخلية والوزارات التي تُعنى بالشؤون المالية والسياسة الخارجية وزارات سيادية وزعت على أمراء الطوائف الأربع: الموارنة والروم الأرثوذكس والشيعة والسنة أو من يمثلهم دون مراعاة قواعد أخرى.

على محور آخر ارتبط مفهوم «السيادة» في الثقافات بالتسلط والهيمنة على مفاتيح القوة التي تتحكم بمصائر الأفراد والمجتمعات، لذلك كان الإمساك بالمؤسسات الأمنية والتحكم بمصادر الثروة وبناء العلاقات وإقامة الصداقات والتحالفات مع الدول الأخرى هي المداخل البديهية لذلك.

أما على المستوى الأكاديمي فقد ارتبط مصطلح السيادة بالنظريات التي وضعت في أقسام العلوم السياسية عن نشوء الدولة ومعايير ذلك، فالسيادة تعني سلطة عليا لا تخضع لأية سلطة أخرى وبمعنى آخر سلطة لها استقلالية معترف بها على مستوى دولي، من هذا المنظور لا يجوز إضفاء صفة السيادة على أي كيان ضمن هيكل الدولة.

الوزارة، أية وزارة، تعرف بأهدافها ورسالتها وتعرف كذلك بحجم دورها في المجتمع من حيث الخدمات التي تقدمها. وإذا كان من الضروري التمييز بين أهمية الوزارات على هذه الأسس فالوزارات المتميزة في أهميتها على مستوى الحاضر والمستقبل هي الوزارات التي تعمل مؤسساتها على صناعة الأجيال عبر إنضاج مقارباتها الفكرية للحياة علماً ومنهجاً وأساليب أي الوزارات التي تُعنى بالخطاب مع العقول وتعد الصغار لمواجهة المستقبل. السيادة تعني قبل كل شيء قوة الإنسان في مواجهة الحياة التي تزداد تعقيداً وصعوبة وهي من هذا المنظور قدراته العقلية والفكرية.

الوزارات التي تُعنى بالشؤون التربوية والتعليمية على مختلف المستويات بدءاً برياض الأطفال ومروراً بالتعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي ووصولاً إلى التعليم العالي وجامعاته، والتي تُعنى بالثقافة بشتى قنواتها ومنتدياتها الأدبية والفنية، هذه الوزارات تضم مؤسسات من طراز خاص تترسخ من خلالها قيم المواطنة التي تحفظ المجتمع من التصدع لأسباب عرقية أو دينية أو مذهبية أو ثقافية وهي التي تحفظ للبلد منعته وسيادته. فهي تُعنى بصناعة مستقبل هذا المجتمع الذي ترتبط به بوشائج عضوية وفكرية تتيح لها إسهاماً متميزاً في قيادته.

هذه الوشائج لا تقتصر على ما هو قائم في أطر الحاضر فهي مسؤولة عن صناعة قنوات العبور إلى المستقبل عبر رؤى لا تتوافر لدى غيرها من المؤسسات وذلك لأنها مؤسسات ليست لحاضر المجتمع وما يتطلبه وجودها من مهام تتعلق بسقوفه من برامج وكفاءات في شتى نواحي الحياة وإنما لما سوف يكون عليه في المستقبل. فهذه الوزارات هي التي تعمل على إعداد العالم والمهندس والطبيب والمفكر والأديب والفنان والإعلامي وجميع الكوادر التي تقود المجتمع وترسم مسارات مستقبله.

أهداف كهذه تتحقق فقط عندما تتسم البرامج المتبناة على جميع المستويات بالحداثة وتكرس مفاهيم المواطنة على أسس مدنية تتيح للجميع المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية أي المشاركة في عملية البناء للجميع، وتعزز روح التفتح على الحياة وتتناغم مع جملة الأحلام التي ترنو الأسرة الدولية لتحقيقها على مستوى حفظ السلم وتعبيد مختلف الطرق نحو مستقبل واعد.

 

كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات