2019.. كُن أجمل!

قبل أيام سقطت من عمر الزمن ورقة. رقمها، حسب التقويم الميلادي 2018. لم يكن بمقدور أحد أن يطيل عمرها ولا أن يقصره. ثمة من شمت بها ومد لها لسانه أن «إلى الجحيم، كم أشعلت نيراناً، كم قصرت أعماراً، وكم هدمت عمراناً».

أولئك، وهم المتفائلون، فتحوا قلوبهم وعيونهم وأذرعهم للورقة الجديدة 2019، يقولون، لعلها أرحم. وثمة من حزن على رحيلها على الرغم مما حملته من مآسٍ على الأمة. فهي التي مزقت وحدتهم وأحدثت شقوقاً في أرضهم .

هؤلاء، وهم المتشائمون، يخشون أن تكون 2019 أسوأ، وأكثر وحشية، وأشد فتكاً بالجسد العربي، هؤلاء نسوا أن «تفاءلوا بالخير تجدوه» وما بعد الحزن إلا الفرح. العام الجديد. لنتمناه أحلى. إنه الميلاد يبدأ بالرأس بعد مخاض. صرخة حياة. فرحة نجاة بعد طول ألم، لنقطع الحبل السري بحنان ونلف المولود الجديد برموش العين. ندفئه بين حنايا القلب.

حين نرى عيوناً ترتفع إلى السماء وأيادي مفتوحة بالرجاء، لنوقف أطفالنا بجانبنا ونطلب منهم أن يرددوا معنا «آمين». من هنا تبدأ الحياة خطوتها الأولى إلى الأجمل في الحياة.

ما حياتنا إلا مجموعة أوراق في هذا الكون. شهادة الميلاد. شهادة النجاح، شهادة التخرج، جواز السفر، ملكية البيت، رخصة القيادة. كلها أوراق نلمها وتلمنا وفي النهاية تتبعثر ويستمر الزمن.

لنفرح بالعام الجديد، ونشارك الإنسان الذي بداخله خير ورحمة في العالم فرحه. لنشارك «سارة» وأمثالها إنسانيتهم. ففي مطعم بإحدى الولايات الأميركية ناولت النادلة سارة قائمة طعام الغداء إلى رجل وزوجته، وقبل أن يطلعا على القائمة سألاها أن تعرض عليهما أرخص طبقين كونهما لا يمتلكان مالاً كافياً لأنهما لم يحصلا على راتبهما منذ عدة أشهر بسبب تحديات مالية تواجهها الجهة التي يعملان لديها.

لم تفكر «سارة» طويلاً. اقترحت عليهما طبقين فوافقا بلا تردد ما داما هما الأرخص. جاءت بالطلبين، تناولاهما بنهم، وقبل أن يغادرا طلبا من النادلة الفاتورة. فعادت إليهما ومعها ورقة داخل المحفظة الخاصة بالفواتير كتبت فيها ما معناه: «دفعت فاتورتكما من حسابي الشخصي مراعاة لظروفكما.

وهذا مبلغ مائة دولار هدية مني، وهذا أقل شيء أقوم به تجاهكما. شكراً للطفكما. التوقيع سارة». كان الزوجان في غاية السعادة وهما يغادران المطعم. اللافت في الموقف السابق أن سارة شعرت بسعادة غامرة لدفعها مبلغ فاتورة طعام الزوجين على الرغم من ظروفها المادية الصعبة، فهي تدخر منذ عام تقريباً قيمة غسالة أوتوماتيك تودّ أن تشتريها، وأي مبلغ تهدره فسيؤجل موعد اقتنائها لهذا الجهاز الحلم، فهي تغسل الثياب بغسالة قديمة.

لكن أكثر ما أحزنها هو توبيخ صديقتها لها عندما علمت بالموضوع. فقد نددت بتصرفها؛ لأنها حرمت نفسها وطفلها من مال هي أحوج إليه من غيرها لشراء الغسالة. وقبل أن يتغلغل الندم داخلها إثر احتجاج رفيقة عمرها على مبادرتها تلقت اتصالاً من أمها تقول لها بصوت عالٍ: «ماذا فعلت يا سارةِ؟». ردت بصوت خفيض ومرتعش خوفاً من صدمة لا تحتملها: «لم أفعل شيئاً. ماذا حدث؟».

أجابت أمها: «يشتعل الفيسبوك إشادة بكِ ومدحاً لتصرفك. رجل وزوجته وضعا رسالتك لهما على الفيسبوك بعد أن دفعتِ الحساب عنهما في حسابهما وتناقلها الكثيرون. أنا فخورة بكِ». لم تكد تنتهي من محادثتها مع أمها حتى اتصلت عليها صديقة دراسة تشير إلى تداول رسالتها بشكل فيروسي في جميع منصات التواصل الاجتماعي. فور أن فتحت سارة حسابها في «فيسبوك»، وجدت مئات الرسائل من منتجين تلفازيين ومراسلين صحافيين يطلبون مقابلتها للحديث عن مبادرتها المميزة.

وفي اليوم التالي، ظهرت سارة على الهواء في أحد أشهر البرامج التلفزيونية الأميركية وأكثرها مشاهدة. منحتها مقدمة البرنامج غسالة فخمة جداً وجهازاً تلفازياً حديثاً وعشرة آلاف دولار. وحصلت من شركة إلكترونيات على قسيمة شراء بخمسة آلاف دولار. وانهالت عليها الهدايا حتى وصلت إلى أكثر من 100 ألف دولار تقديراً لسلوكها الإنساني العظيم.

وجبتا الطعام لم تكلفا سارة أكثر من 27 دولاراً و100 دولار غيرت حياتها.

كرم أن تعطي ما لا تحتاج، لكن الكرم الأكبر أن تعطي ما أنت في أشد الحاجة إليه. عندما فعلت سارة ما فعلته لم تنتظر أي شيء، ولم تتوقع مكافأة من أحد، فقط إحساسها من حركها، إحساسها الإنساني فقط.

هل سيكون العام الجديد جميلاً، واسع العينين، سليم القلب، حسن النوايا؟

نحن من نحدد ملامحه، ونحن من نعلمه أبجدية الحب، وننزع من صفحته أنشودة الحرب.

 

كاتب أردني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات