التراث والحاضر في الجنادرية

على مدى سنوات طويلة منذ بدأ مهرجان «الجنادرية» التراثي في المملكة العربية السعودية في ثمانينيات القرن الماضي، لم تسعدني الأقدار بالاستجابة للدعوات بالمشاركة، حتى جاء مهرجان عام 2016 وكانت مصر هي ضيفة الشرف فيه، فكان واجباً الحضور والمشاركة بورقة في واحدة من الجلسات الثقافية عن العلاقات المصرية السعودية.

في المهرجان الثاني ٢٠١٧ شرفتني إدارة المهرجان بالمشاركة في تأبين الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي التاريخي، والذي كانت له مواقف مشرفة من مصر دائماً وخاصة أثناء وبعد ثورة 30 يونيو 2013، فضلاً عن أن المهرجان كان مناسبة لمنح اسمه وسام (سيف) الملك عبد العزيز آل سعود الذي يعد أرفع الأوسمة السعودية قدراً، ويقابل في مصر قلادة النيل.

الأسبوع الماضي كان المرة الثالثة التي وجهت لي فيها الدعوة للمشاركة، وهذه المرة كانت لدي دوافع إضافية غير تلك الثقافية المتعلقة بالمهرجان وجلساته، والحوار مع الكثير من العرب والمصريين الحاضرين، حيث يتوفر الوقت الذي نحرم منه في مناسبات أخرى.

الدافع الأول كان متابعة عملية الإصلاح الجارية في المملكة، والتي تجري عبر الجبهة العريضة من القضايا، بعضها يرتبط بالتحديث، وبعضها الآخر التوسع في تنويع مصادر الدخل السعودية بعد أن كاد النفط أن يكون المصدر الوحيد للدخل في المملكة، وبعضها الثالث كانت له علاقة بإعادة التوازن الاقتصادي في المملكة بتوزيع التنمية على الأقاليم السعودية المختلفة، خاصة ما يتعلق بمنطقة البحر الأحمر، لأن فيها تلتحم التنمية المصرية بتلك السعودية، سواء كان في البحر أو في خليج العقبة.

الدافع الثاني التعرف على تأثيرات حادث مقتل الصحفي والكاتب السعودي جمال خاشقجي على عملية الإصلاح هذه، خاصة وأن العملية قادت إلى حملة مسعورة واسعة ضد المملكة بدت كما لو كان مرادها أن تعود السعودية كلها إلى الوراء.

الانطباع الأول جاء من نافذة السيارة التي أقلتني من المطار إلى الفندق، حيث بدت العاصمة الرياض أكثر أناقة مما كانت عليه منذ عام مضى. كانت الخضرة أكثر اتساعاً وخضرتها نضرة وغنية وطازجة، وفيها ما ينعش ويقرب من صورة مدن خليجية مثل أبوظبي كانت تشكل فارقاً مع الحالة السعودية. النظرة الأكثر اتساعاً جعلت العمائر تتخلص من الكثير الذي كان يشوهها ممثلاً في لافتات بعيدة عن الجمال فأصبحت متساوية الأبعاد والخطوط، وظهر الجمال.

على أي الأحوال بدت المدينة وكأنها دخلت إلى مرحلة كبيرة من التجديد والتوسع، وبعد أن كان برجا الفيصلية والمملكة وحدهما الشاهدين على عمارة في عمومها أقل شأناً، فإن أبراجاً كثيرة بدأت تشق طريقها إلى عنان السماء. ولما كنت مغرماً منذ زيارتي للصين عام 2002 بعدد روافع البناء في الكيلومتر المربع الواحد والذي بلغ آنذاك ٢٦ رافعة، فقد وجدت أن الرياض باتت تقترب من هذا المعدل. باتت المدينة ورشة عمل كبيرة في التجديد والتحديث.

الحالة كانت أكثر رحابة في المقابلات التي جرت مع الأصدقاء والزملاء في المملكة الذين أعطوني أمسية طويلة كانت رغبتهم في الحديث عن إصلاح مصر فيها، لا تقل عن رغبتي في الحديث عن الإصلاح في السعودية.

وفي هذه المقابلة كان هناك عدد من الاستنتاجات الواضحة: أولاً، إن عملية الإصلاح الجارية لا رجعة فيها. وثانياً، إن الطبقة الوسطى السعودية في عمومها، والشباب خاصة، ملتفون حول عملية الإصلاح هذه في أبعادها المختلفة. وثالثاً، إن المقاومة لعملية الإصلاح متوقعة، ولكنها حتى الآن لم تسفر عن وجهها، وفي التقدير أنها لا تستطيع تحقيق التراجع عما يتم من تقدم.

أثناء الوجود في الرياض نشرت الصحف مجموعة من الخطوات لإصلاح جهاز المخابرات العامة تتضمن نوعاً من الإشراف القضائي؛ وربما كانت الخطوات الأخيرة في إعادة ترتيب الأوضاع داخل السلطات السعودية جزءاً من هذه العملية التصحيحية.

رابعاً، إن العلاقات المصرية السعودية هي ليست فقط علاقات استراتيجية تدعم مسيرة البلدين نحو الإصلاح والتحديث، وإنما تعطي الطرفين أماناً بات مفقوداً في كثير من علاقاتهما الدولية مع الدول الأخرى.

خامساً، إن التطورات الجارية في المنطقة، بما فيها ما نشر عن الانسحاب الأميركي من سوريا والمنطقة، وما سوف يترتب عليه من حالات التوحش الإيراني والتركي والإسرائيلي سوف يجعل العلاقات بين القاهرة والرياض أكثر أهمية من أي وقت مضى.

* كاتب ومحلل سياسي مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات