اللغة الخشنة

لاحظ أحد الآباء أن ابنه سريع الانفعال والغضب في أثناء حديثه مع الآخرين. فقرر الأب أن يعطيه كيساً من المسامير وقال له: في كل مرة تستشيط غضباً عليك أن تدق مسماراً في هذا السور الخشبي. وفي اليوم الأول وحده دق الصبي في السياج نحو 37 مسماراً! ثم سرعان ما بدأ الصبي يتحكم في أعصابه خلال الأسبوعين اللاحقين فقل تدريجياً عدد المسامير. واكتشف أن التحكم في انفعالاته أهون عليه من الخروج في البرد القارس يومياً لدق تلك المسامير.

وتمكن الصبي لاحقاً من أن تمر عليه أيام لم يعد يغضب فيها مطلقاً، أو بالأحرى صار يملك نفسه عند الغضب. فقرر أن يخبر والده الذي سُرّ كثيراً بهذا الخبر. فقال لابنه: الآن أريدك أن تقتلع مسماراً واحداً في كل يوم نجحت في أن تضبط فيه نفسك حتى تقتلع جميع المسامير، ففعل. وبعد أن انتهى، أمسك الأب بيد ابنه واصطحبه إلى السور الخشبي، فأشار إلى آثار المسامير في السياج الخشبي وقال: لقد أحسنت صنعاً يا بني، لكن انظر إلى ما أحدثته تلك المسامير من ندوب، وكذلك الحال حينما تنفعل وتغضب فإن كلماتك القاسية حتى وإن أتبعتها بالاعتذار سيبقى بعضها مثل جروح لا تندمل. كمن يغرس سكيناً في خاصرة شخص ثم يخرجها لا بد أن يبقى أثر هجومه المشين.

المغزى من هذه القصة الرمزية أن السيطرة على الانفعالات الحادة ونوبات الغضب يمكن بلوغها مع مرور الوقت بطريقة ذكية بدلاً من الاكتفاء بجلد الذات شفاهة. مثل من يلزم نفسه بتبرع مالي كلما استشاط غضباً فيشعر بأن فعله يتحول إلى أمر ملموس، ربما يفيقه من غفلته أو على أقل تقدير يقلل من أخطائه.

وذكرتني هذه الحكاية في اللغة «الخشنة» أو «الملغومة» التي ازدادت وتيرتها في حواراتنا، خصوصاً في ظل الاضطرابات التي تعصف بالمنطقة وهي ما تسمى باللغة الإنجليزية بـloaded language فاللجوء إليها كما يصب الزيت على النار في مجلس ما فيشتعل بنا الحوار. وقد نصل بسبب تلك اللغة الجارحة إلى ما لا يحمد عقباه من تشابك بالأيدي أو تلاسن يولد جروحاً غائرة.

وشخصياً أؤمن أن علو الصوت (الصراخ) مؤشر على ضعف الحجة، خصوصاً إذا كان ملازماً لأطروحات الفرد. ولذا تجد أن الموضوعي أو العقلاني لا يستطيع مواصلة حديثه في ظل تلك اللغة الخشنة، فيؤثر السكوت، ويترك أصحاب اللغة القاسية يمعنون في التلاسن.

وهذا يجعلنا نقول إن الكلمة إذا خرجت من ألسنتنا صارت ملكاً للآخرين، يمكن أن يدينونا بها في أي لحظة. فما بالنا إذا كانت مسجلة صوتياً، أو مصورة، أو مكتوبة. هنا يتضاعف الألم لدى المتضرر ويتزايد الندم لدى المتحدث لاحقاً، إن كان لديه ذرة شعور بالندم.

مشكلة هذه اللغة الخشنة أنها تعرّينا أياً كانت دوافعها. ألم يقل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: «أرى الرجل فيعجبني، فإذا تكلم سقط من عيني». فحينما تُكسَر الجرة يصعب ترميمها. ومهما كانت فترة الصمت يمكن لكلمة واحدة جارحة أن تفسد كل وقار الصمت الذي تحلى به المرء طوال المجلس أو البرنامج أو الاجتماع. ولذا فإن قصة المسامير والطفل والسياج الخشبي، تعد أبلغ تعبير على عواقب أخطائنا اليومية في الحوار أياً كانت وسيلته.

* كاتب كويتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات