2019 عام الترقب في واشنطن

الأيام الأخيرة من عام 2018 ماجت بالأحداث في واشنطن، لكنها لا تقارن بالتحولات الكبرى المرجح أن تشهدها الولايات المتحدة في العام الجديد.

فمن الإعلان عن الانسحاب من سوريا، لاستقالة وزير الدفاع الأميركي والمبعوث الرئاسي الخاص بمكافحة تنظيم داعش الإرهابي، ومن التحولات الاقتصادية لإغلاق الحكومة الفيدرالية أبوابها جزئياً، تبدو كل تلك الأحداث وكأنها فقط مؤشرات تؤكد أن العام الجديد سيكون أكثر سخونة.

فقد جاء الإعلان عن سحب القوات الأميركية من سوريا ليس فقط مفاجئاً للحلفاء الدوليين وإنما كان مفاجئاً أيضاً للداخل الأميركي حيث لم يتم التشاور مع الكونجرس، ولم يعلم بالقرار سوى دائرة محدودة للغاية في الجهاز التنفيذي والبيت الأبيض.

وقد تبين لاحقاً أن وزير الدفاع الأميركي قدم استقالته بعد أن فشل في إقناع الرئيس في العدول عن قراره. وهي الاستقالة التي تبعتها استقالة بريت ماكجورك، مبعوث الرئيس الأميركي لمحاربة داعش.

وما هي إلا أيام حتى كانت الولايات المتحدة تعلن عن نيتها تخفيض قواتها تدريجياً في أفغانستان. ولعل أهم ما أسفرت عنه تلك التطورات هي أن حلفاء ترامب الجمهوريين في الكونجرس لم يوجهوا فقط انتقاداتهم للرئيس وإنما أعلنوا معارضتهم للقرارين.

وتأتي تلك المعارضة خصوصاً من أعضاء مجلس الشيوخ، المعني بالسياسة الخارجية أكثر من مجلس النواب، لتمثل مؤشراً مهماً بأن العام القادم قد يشهد اختلافاً مهماً بالمقارنة بعلاقة الدعم القوية للرئيس من جانب أعضاء حزبه طوال العامين السابقين.

فخلال الشهرين الأخيرين على الأقل، ارتفعت أصوات رموز جمهورية مهمة ضد مواقف ترامب من قضايا خارجية عدة، كان آخرها الموقف من سحب القوات الأميركية في سوريا وأفغانستان.

لكن دوي تلك القرارات لم يكن أقل حدة من الإعلان عن الإغلاق الجزئي لأبواب الحكومة الفيدرالية بعد أن انهارت مفاوضات الميزانية بين الرئاسة والكونجرس.

فبعد عشرة أيام من إعلان ترامب صراحة أنه سيكون «فخوراً» بأن «يتسبب في إغلاق أبواب الحكومة الفيدرالية» إذا لم يقدم له الكونجرس الأموال التي طلبها لتمويل إنشاء الجدار العازل على الحدود مع المكسيك، أغلقت بالفعل حوالي 25% من وزارات وهيئات الحكومة الفيدرالية أبوابها، بما في ذلك وزارات العدل والداخلية والأمن الوطني.

وقد تأثر بالإغلاق أكثر من 800 ألف من العاملين في الوزارات والهيئات المختلفة ومن المرشح أن يزداد العدد ليضم مئات الآلاف غيرهم إذا ما طالت مدة الإغلاق دون التوصل لميزانية تقدم تمويلاً يعيد فتح أبواب تلك الوزارات والهيئات من جديد.

لكن لعل أكثر ما يلفت الانتباه في المعركة حول الميزانية هو ما كتبه الرئيس ترامب على تويتر عشية التصويت على الميزانية في الكونجرس. فهو بعد أن قال إن تصويت الديمقراطيين ضد تمويل إنشاء الجدار سيؤدي لإغلاق الحكومة أبوابها لا محالة، أكد أن ذلك الإغلاق «سوف يمتد لفترة طويلة جدا».

والتصريح لافت للانتباه لأن الرئيس في عام 2018 يظل في موقف تفاوضي أقوى بكثير في مفاوضات الميزانية تلك بالمقارنة بعام 2019، لأن حزبه يتولى الأغلبية بالمجلسين، الأمر الذي يفترض معه أن يعجل بالتوصل لاتفاق، لا العكس، قبل أن يتولى الديمقراطيون الأغلبية بمجلس النواب في الثالث من يناير.

ولا شك أن الهبوط المدوي في أسواق الأسهم الأميركية لم يكن بعيداً عن كل تلك التطورات المتلاحقة. فقد أكد بعض الخبراء الاقتصاديين الأميركيين أن حالة عدم اليقين السياسي في واشنطن، خصوصا فيما يتعلق بإغلاق الحكومة الفيدرالية لأبوابها، والغياب المفاجئ لوزير الدفاع الأميركي عن الساحة، كانت مسؤولة جزئياً عن ذلك الانهيار.

غير أن هناك من المؤشرات ما يرجح أن حالة عدم اليقين السياسي تلك قد تكون أكثر وطأة في عام 2019. فالكونجرس الأميركي الذي يوشك أن يتولى المسؤولية منقسمة فيه الأغلبية بين الحزبين، حيث سيتولى الديمقراطيون الأغلبية بمجلس النواب، بينما سيشغل مقاعدها الجمهوريون بمجلس الشيوخ.

ومع احتدام الاستقطاب السياسي في واشنطن، ولأن أي قانون لابد أن يصدر عن المجلسين، فإن تلك الصيغة هي الوصفة النموذجية للشلل السياسي. ليس ذلك فقط، فقد أعلن الديمقراطيون في مجلس النواب أنهم بصدد القيام بمهام الرقابة الصارمة على الرئاسة والمؤسسة التنفيذية عموماً.

وهي المهام التي كان الجمهوريون بمجلس النواب قد أعفوا منها، لحد كبير، الرئيس المنتمي لحزبهم نفسه طوال العامين الماضيين. لذلك، تبدو المواجهة المبكرة بين الرئيس ترامب والجمهوريين بمجلس الشيوخ حول السياسة الخارجية مؤشراً يزيد من عدم اليقين بشأن أجندة ترامب. ومع توقعات التراجع في الاقتصاد العالمي عموما والأميركي خصوصاً تزداد صعوبة موقف الرئيس في التفاوض مع الكونجرس.

وإلى جانب كل ذلك، يبدو أن المحقق الخاص روبرت مولر سينتهي من إعداد تقريره بشأن التدخل الروسي العام الجاري، الأمر الذي يفتح حالة عدم اليقين السياسي على كل الاحتمالات، من مزيد من الإدانات لمن هم في الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس لاحتمالات العزل السياسي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات