محمد بن راشد.. ونصف قرن من العطاء المتدفق

كنت أرى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، يأتي إلى مجلس والده الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، وهو في الرابعة عشرة من عمره، وكانت نظرات والده إليه وهو مسرور وباش، وكأنه يرى شبابه وحيويته عندما كان في مثل سن هذا الشاب الصغير.

وهذا يعود للأعوام التي انصرمت من العقد الخامس من القرن الماضي، عندما التحقت بعملي في بلدية دبي التي كانت أول بلدية على نظام الحكم المحلي في الإمارات في مارس 1957، وكان عقد الخمسينات قد شهد تطوراً متوالياً في التنظيم الإداري لحكومة دبي، إذ سبق البلدية تأسيس الشرطة النظامية عام 1956، وقبل ذلك المحاكم المختلطة عام 1955.

وعندها بعث الشيخ راشد، رحمه الله، بأبنائه إلى بريطانيا للدراسة، كانت أخبار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وتدريباته في الكليات العسكرية هناك، بجانب دراسته الإعدادية تصل إلى مسامع الناس، حيث كان الشيخ راشد يروي هذه الأخبار، والسرور بادٍ على محيّاه اعتزازاً بهذا الابن الذي كان يرى فيه بنظرته الثاقبة مستقبل دبي المشرق.

وعاد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من انجلترا وقد انتصف عقد الستينات وبالتحديد عام 1966، متسلحاً بسلاح المعرفة ليوكل إليه والده زمام الشرطة والأمن العام اللذين كانت هناك ملاحظات على أدائهما، وعمل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم فور إمساكه بزمام الأمور على التخطيط والتنظيم الإداريين، وألحق بالشرطة عدداً من الشباب وتم تدريبهم على تولي المناصب القيادية في الشرطة، ولأول مرة شعر الناس بأن ما كان يسمى بالأمن بات أمناً وأماناً لحفظ الحقوق بعيداً عن صور الصرامة البالغة والإفراط في الشدة.

وفي عام 1968، بعد إعلان الإنجليز اعتزامهم الانسحاب من المنطقة ما يتيح لبلدان المنطقة تقرير مصيرهم وتكوين كيانات مستقلة والاعتماد على أنفسهم في الإدارة المدنية والعسكرية، وحددوا لانسحابهم مدة ثلاث سنوات تنتهي في عام 1971.. وهنا ظهر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عضداً لوالده في المفاوضات والمباحثات الجارية فيما بين الإمارات السبع وبلدين خليجيين آخرين هما البحرين وقطر.

وعقدت من أجل ذلك اجتماعات واحدة تلو الأخرى خلال الأعوام الثلاثة المحددة، حيث رافق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والده في جميع هذه الاجتماعات مشاركاً ومحللاً ومشيراً إلى الرؤية التي نتجت عنها بعد ذلك قيام أول دولة فيدرالية متماسكة الأركان في الخليج، وبعدها اختارت البحرين وقطر أن تعلنا دولتيهما المستقلتين.

واختار المجلس الأعلى للاتحاد برئاسة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قائداً للجيش ووزيراً للدفاع في أول وزارة تشكلت للدولة الجديدة، وبهذا الاختيار تأكدت مكانة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عند حكام الإمارات، وما يتمتع به من كفاءة وجدارة.. ولم يكد يمر عام على الاتحاد حتى حدثت أمور سلبية باغتيال الشيخ خالد بن محمد القاسمي حاكم الشارقة السابق، رحمه الله، وسرعان ما هب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بأمر من رئيس الدولة لإطفاء نيران هذه الفتنة، حيث تمكن من احتواء الأزمة والحيلولة دون تفاقمها، وبهذا أثبت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أنه رجل المواقف القدير والجدير بمجابهة الأزمات وحلها بما يتفق مع مصلحة الدولة والأمة.

وجاءت التجارب لتتوالى واحدة تلو الأخرى ولتزيد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حنكة ودراية بكل ما يتعلق بشؤون الإدارة والمؤسسات المحلية والدولية.. ولم يكد سموه يتولى ولاية العهد في عام 1995، حتى شمر عن ساعديه ممتطياً جواد العمران والتطوير في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والعمرانية في دبي، وكان تأسيس «طيران الإمارات» من المبادرات ذات السمعة والشأن الدوليين وكسر الاحتكار الذي كانت تمثله إحدى شركات الطيران في المنطقة، ورفع هذا المشروع الحيوي العالمي اسم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم كأحد البناة العالميين الكبار في العصر الحديث.

ولم يقتصر جهد سموه على الشأن المحلي، الذي يحتاج المرء إلى سفر كامل لتتبعه بحيث لا يستوعبه مقال كمقالي هذا عن تناول جوانبه، ولكن تعدى ذلك إلى المشروعات الإنسانية ذات الصفة الشمولية في نشر المعرفة والصحة العامة للجميع، إلى جانب الوقوف بحزم وجزم أمام الأزمة الاقتصادية العالمية عامي 2007 ـ 2008.

والحقيقة أن الحديث عن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وشخصيته ومنجزاته حديث لا ينتهي بتناول طرف منه، وليس من الإنصاف أن يقتصر على جانب معين دون آخر، ولكن في هذه العجالة رأيت أن ألقي شيئاً من الضوء على جوانب تاريخية من تلك التي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد القِدح المعلّى أو السهم الثاقب في أحداثها، ولعل ذلك يكون مفيداً لأولادنا من الشباب والناشئة.. (1)

والحقيقة أيضاً أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة لم يذهب بعيداً عندما قال عن أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في تعليق له على أحداث الخمسين عاماً التي مضت ودور سموه في هذه الأحداث التاريخية: «يكمل أخي محمد بن راشد مع عام زايد خمسين عاماً في خدمة الوطن منذ توليه أول مسؤولية قائداً لشرطة دبي.. مسيرة حافلة بالعطاء رافق خلالها زايد وراشد، رحمهما الله، في مدرسة الحياة حتى أصبح مدرسة في القيادة والإدارة وصناعة الحياة».

1-راجع كتاب الشيخ «محمد بن راشد في سباق الزمن» لعبد الغفار حسين

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات