جمع تَسُد

من حسن حظي أن يكون موعد نشر أولى مقالاتي في عام 2019 يصادف اليوم الأول من «عام التسامح»؛ ولذا سأتناول اليوم في مقالي الإجابة عن السؤال الذي قد يخطر في بال الكثيرين «لماذا التسامح؟!»؛ لماذا اختارت الإمارات أن يكون عامها عاماً للتسامح، ومن قبلها أوجدت لأول مرة «وزارة التسامح»، وأدرجت مفاهيم التسامح في جميع المناهج الدراسية، فما سر هذا التركيز على التسامح ومفاهيمه ومفرداته؟، هل لهذه الدرجة التسامح أمر مهم ومطلب حيوي للمجتمع؟!.

التسامح ليس مجرد أمر مهم للمجتمع إنما هو أكثر من ذلك بكثير بل أهم من الماء والهواء في بعض الأحيان، فبدون تسامح وتعايش لا يوجد أمن، ولهذا عمدت الإمارات أن تجعل للتسامح عاماً ووزارة ومناهج ومجالس ومؤتمرات وأجيالاً تمضي على مفاهيمه.

فبعد أن عانى العالم من آفات الكره والبغيضة والعدائية والإزدراء لبعضهم البعض والذي وصل في نهاية المطاف لإشعال الحروب والفتن والخراب والدمار كان لازماً موازنة مفاهيم الكراهية بمفاهيم التعايش والتصالح والتسامح، وهذا ما تقوم به الإمارات وتتعهد أمام العالم أن تخلق هذه المعادلة والموازنة الصعبة.

الصعوبة ليست بكون الشعوب كارهة للتسامح ولا تريدها إنما هناك من يتغذى ويستفيد من وجودها، ولهذا تجده ينشر مفاهيم الكراهية ليزيد من الفجوة بين الشعوب والأديان والأعراق، فهو مؤمن بمبدأ «فرق تسد»، ولكن الإمارات وتجربتها مع التسامح غيرت هذا المفهوم تماماً.

فبقدر ما فتحته القيادة الإماراتية من أبواب على الثقافات والديانات الأخرى واحتضنتهم داخل أراضيها ووطدت أوصال الروابط فيما بينهم، وسعيها في إيجاد تصالح بين شعوب العالم؛ كل هذا غير المفاهيم والقواعد السائدة فأصبح «جمع تسد»، فالسيادة يا سادة مخطوطة بالتسامح والاحترام المتبادل بين شعوب العالم، وليس بالكراهية والتفرقة.

العالم يمضي والإمارات تحلق نحو الأفضل، حاملة معها مشاكل البشرية بأكملها محاولة إيجاد حل يصنع بيئة مستقرة آمنة تنعم فيها أجيال المستقبل، فالإمارات وقياداتها مؤمنة كامل الإيمان أنه ليس ذنب أي شخص أن ولد مسلماً ليكرهه من هم من الديانات الأخرى، وليس مميزاً من ولد بوذياً بالنسبة للديانة البوذية، إنما التميز يكمن بالأخلاق وفرض الاحترام بين الناس.

وهذا لن يكون إلا إذا تعايش البشر وتسامحوا فيما بينهم، واحترم كل واحد منهم معتقدات ومبادئ الطرف الآخر، فلا ينعت أحد معيباً أو مزدرياً شخصاً آخر لاختلافه معه بالعرق ولا اللون ولا الجنس ولا الجنسية، فالبشرية بأكملها تجمعها أوصاف وصفات مشتركة يجب تعميقها والتركيز عليها للخروج بمجتمعات متحابة معتدلة في تفكيرها الاعتقادي مما يمكنها من رؤية الآخر واحترام معتقداته، وعدم التصادم معه.

التسامح ليس شعاراً إماراتياً، ولا هو مجرد قوة ناعمة تبرزها الإمارات، إنما هو مطلب إنساني غاب عن شعوب كثيرة فآلمتها الكراهية والحقد، وأزعجتها البغضاء، وأدماها الحرب والقتال، والإمارات جاءت لتبدل هذه المفاهيم بمفاهيم أكثر جمالاً، أكثر إشراقاً، أكثر تفاؤلاً وأكثر إيجابية؛ الإمارات جاءت لتقول للعالم إن ثقافة الحب وشعوره أريح للنفس وأرقى للمجتمعات وأقرب للإنسانية من ثقافة الكره والكراهية والتي تتنافى تماماً مع حاجة الإنسان ومطلبه من المهد إلى اللحد.

في اليوم الأول من عام التسامح، نبدأ مشواراً من المبادرات والمؤتمرات والفعاليات التي بمقدورها التصدي لفكر عقول الشر عقول الظلام التي لا تريد للعالم إلا الخراب، وبأيادٍ ناصعة البياض تأتي الإمارات لتقطع دابرهم وتوجد البديل عن فكرهم الظلامي بفكر تسامحي مفاده النور والتنوير، وهدفه التصالح مع الذات ومع الغير لننعم بأمن واطمئنان في الحياة، ونتعرف على شعوب ترى العالم من منظور آخر.

عام التسامح هو دعوة لفتح الأبواب المغلقة، لفتح النوافذ أمام علوم وثقافات وممارسات وديانات ومعتقدات أخرى لم نتعرف عليها من قبل لنتشارك معهم في إنسانية مجردة، فالجميع يطمع بالعيش الكريم، والتسامح أول خطواته، عام التسامح هو رسالة تصلك عبر البريد من أشخاص مجهولين وأنت لك الخيار أن تفتحها لتقرأ فحواها لعلك تجد ما ينقصك في ثقافة الآخر، وتعيد إرسال ما ينقصهم من عاداتك وتقاليدك، هذا هو التبادل المجتمعي المطلوب، ولا مجال للانغلاق على الذات والعالم من حولنا ينفتح ويتفتح، وكلما فتحت أبواباً أكثر كلما اكتسبت معلومات أكثر واطلعت على مجتمعات أكثر أضافت لحياتك شيئاً جديداً.

عام التسامح قد بدأ والخطة الإماراتية لا بد أن تحقق أهدافها، ونحن عون لها، وسفراء لنهجها ومنهجها، وأقلام نعبر وننشر أفكارها، وجنود أمام أعدائهم، فالتسامح معركة في وجه الشر والشرور، معركة في وجه الغلو والتطرف، معركة في وجه الضلال والظلام، والإمارات والقيادة الإماراتية والشعب الإماراتي والمقيمين على أرض الإمارات على أتم الاستعداد لهذه المعركة.

فعالمهم المصغر والاستثنائي والذي يضم أكثر من 200 جنسية من مختلف الأديان والأعراق والألوان يجب أن يكون النموذج الذي يحتذى به، وهذه التجربة سننقلها للعالم لتكون نبراس أمل لأجيال ذاقت مرارة الحرب والتشرد، والإمارات تتعهد أن تجعلهم يتسامحون مع ذواتهم ليبدؤوا حياةً جديدةً أكثر إشراقاً.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات