قرار فارق ومقاربة إسرائيلية دعائية

القرار المفاجئ للرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب قواته من سوريا، أطلق وابلاً من التوقعات بشأن التداعيات العاجلة والآجلة لهذه الخطوة النوعية.

سياق الجدل بهذا الخصوص، غطى مروحة واسعة من القضايا، منها بلا حصر أسلوب ترامب في اتخاذ قرار استراتيجي وفقاً لحسابات غير مؤسسية، وتأثير هذا الانكماش الأميركي على مكانات أطراف الصراع وموازين القوى السياسية والعسكرية في الميدان السوري، والانعكاسات الأعمق لهذه الخطوة على نفوذي القطبين الأميركي والروسي في السياقين الإقليمي والدولي.

تحركات الأطراف المعنية وردود أفعالهم، توجب الاعتقاد بأن ترامب ألقى بقراره حجراً كبيراً، أدى إلى زيادة منسوب التعقيد وعدم الوضوح في حاضر المعمعة السورية ومستقبلها.

وبنظرة بانورامية، تميل التحليلات إلى إظهار النظام السوري وأنصاره داخلياً، بالإضافة إلى طهران وأنقرة إقليمياً وموسكو دولياً، ضمن المستفيدين بنسب متفاوتة من القرار وتبعاته.

على حين تبدو قطاعات سورية وفي طليعتها الأكراد، وإقليمية وعلى رأسها إسرائيل، ودولية غربية كفرنسا في جانب المتضررين.

والمؤكد أن هؤلاء وهؤلاء يجتهدون راهناً لأجل تعظيم الفوائد أو تقزيم الخسائر.

اللافت أن واحدة من أهم المفاجآت الموصولة بهذا القرار، هي الكيفية التي اتخذ بها، غير أن أحداً لم يصل به الخيال إلى توقع أن يقدم سيد البيت الأبيض على قرار من هذا القبيل، دون استشارة أحد من معاونيه وأركان حكمه، بما فيهم وزير دفاعه جيمس ماتيس، الذي آثر الاستقالة المسببة على خلفية القفز من فوق رأسه.

ربما قيل إننا بصدد جرأة أو رؤية قيادية، لكن ماتيس وكثيرين غيره يرون القرار سقطة ذات مردودات سلبية على الصعيد الداخلي، كون الرئيس تجاوز المعلوم والمستقر بشأن صناعة القرارات غير الروتينية التي قد تضر الأمن القومي للدولة، وكذا على الصعيد الخارجي لأن هذه الخطوة المباغتة (تثير مخاوف الحلفاء والأنصار إزاء وفاء الشريك الأميركي بالتزاماته وتستفز شكوكهم حول آفاق الشراكة معه).

ضمن أصداء قرار ترامب، نجد أن الإسرائيليين كانوا من أكثر الخلق جدلاً وتناظراً واستطلاعاً للنتائج المحتملة على مصالحهم الأمنية.

وقد ساق الغضب بعض محاوريهم إلى رمي ترامب بخيانة الصداقة مع دولتهم، لأنه لم يستشرها ولا أنذرها بقراره «الذي سيدعها وحيدة في مواجهة الأعداء المنتشرين في الميدان السوري».

وبناء على أحكام هذا البعض المتعجلة، قيل بأن جبهة إسرائيل الشمالية باتت بفعل القرار الأميركي في وضع لا تحسد عليه.

والحال أن استشعار سلبية الخطوة الأميركية على هذا الشريك، أمر لا يخلو من المبالغة والادعاء والقراءة المجتزأة أو حتى الافتعال.

ترامب أجاب بنفسه على مخاوف المرجفين الإسرائيليين حين قال بأنه «لا يشعر بالقلق من أن يؤدي انسحاب قواتنا من سوريا إلى تعريض إسرائيل للخطر، لأننا قدمنا لها مساعدات كبيرة وأموالا كثيرة، وبإمكانها الدفاع عن نفسها».

وقد مضى إلى تذكير الإسرائيليين بأفضاله الشخصية عليهم «أنا من نقل السفارة إلى القدس، وهو مالم يفعله أي رئيس سابق».

من باب الإنصاف أن نقر بحصافة هذه القراءة.. ليس هذا فقط لصدقية مآثر ترامب الاستثنائية لصالح إسرائيل، وإنما أيضاً وأساساً لأن أمن هذه الدولة لا يقوم أو ينبني على الوجود العضوي لألفي جندي أميركي داخلها أو بجوارها اللصيق.

ومن المعلوم أنها تلتزم بنظرية أمنية عمادها مراكمة عناصر للقوة العسكرية الذاتية، مع الأخذ في الاعتبار الدعم اللاممنوع واللامقطوع من الظهير الأميركي، الذي يمكن توفيره سريعا بالجسور الجوية والبحرية. وليس بلا مغزى أن يفاخر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبيل أيام معدودة من قرار ترامب بأن بلاده «تستحوذ على قوة صاروخية، تصل إلى أي مكان في الشرق الأوسط».

نود القول بأن أمن إسرائيل، على جبهتها الشمالية أو على غيرها من المحاور الاستراتيجية، لم يعتمد أصلاً علي وجود قوات أميركية في سوريا، ولا نظن أنه سيتأثر كثيراً غداة مغادرة هذه القوات.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات