هوية استراتيجية أوباما في قرار ترامب

أعادت استقالة جيمس ماتيس وزير الدفاع الأميركي، آخر المدافعين لمبدأ الرئيس الأميركي جيمس مونرو الذي سار عليه كل الرؤساء الجمهوريين تقريباً، القائم على أن قوة الولايات المتحدة في التعاضد مع حلفائها وليس في الاعتماد على قوتها المنفردة خاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، حيث تزداد قوة الدول من خلال تشكيل تحالفات استراتيجية.

أعادت، تلك الاستقالة إلى أذهاننا استراتيجية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما القائمة على التخلي عن حلفائها التقليديين في المنطقة ما يعني في الاستراتيجية الأميركية أن الرئيس وإن كان له تأثير فيها إلا أنه ليس هو صاحب القرار النهائي في السياسة الخارجية الأميركية بقدر ما أنه المنفذ لها.

يكاد يكون مشهد توقيع إدارة الرئيس باراك أوباما للاتفاقية النووية مع النظام الإيراني في عام 2015 الذي سمح له بالتمدد في منطقة الشرق الأوسط وفي الدول العربية وتهديد الاستقرار العالمي من خلال أذرعها السياسية، يكاد هذا المشهد يتكرر مع إعلان إدارة الرئيس ترامب، الأسبوع الماضي، سحب القوات الأميركية في كل من سوريا وأفغانستان على اعتبار أن المستفيد الأول والوحيد من هذا هو النظام الإيراني وتنظيم «داعش» مع أن توقعات أغلب المحللين والمراقبين كانت تحوم حول أن استراتيجية إدارة ترامب ستختلف.

قرار ترامب من نوع تلك القرارات التي تضعف القوة الكاملة للدولة حتى لو كانت قوة عظمى فمعروف عن الولايات المتحدة أن صلاتها الوثيقة مع حلفائها في أوروبا الغربية ومنطقة الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بما فيها الحرب على الإرهاب في فترة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى أن جاءت إدارة بوش الابن باستراتيجية «الفوضى الخلاقة» باعتبارها الملامح الأولى لحالة «التخلي» عن دول المنطقة وبانت بشكل أوضح مع إدارة الرئيس أوباما وحالياً يعيد ترامب الخطأ نفسه ومخالفته للقواعد المنظمة للمنطقة من خلال سحب القوات الأميركية ما يعني أن الأمر سيعني خروج باقي القوات الغربية الأخرى من المنطقة وخاصة أفغانستان.

وإذا كان جون كيري وزير الخارجية الأميركي في عهد أوباما معروف بدوره البارز في تمكين النظام الإيراني في ملفات المنطقة كنتيجة لعلاقاته الوثيقة بوزير الخارجية الإيراني محمد ظريف ونتيجة لوجود «لوبي» إيراني في الإدارة الأميركية السابقة .

وبالتالي كان يمارس تجاهل الحلفاء بوعي وإدراك فإن ميل الرئيس دونالد ترامب في اتجاه ممارسة القوة الغاشمة في الإدارة الحالية مع جهله للسياسة الخارجية والسياسة بشكل عام كونه قادماً من عالم المال فإن ما يحدث هو تجسيد لذلك الجهل خاصة عندما تخلى عن حلفائه في أوروبا بل واستفزهم في الكثير من المواقف الدولية مما كان له الأثر في «تصاعد نبرة» الاستقلالية الأوروبية خاصة من قبل فرنسا.

وكذلك من خلال عدم الفهم فيما تعني الاتفاقيات الدولية والخروج منها، عندما أعلن الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ وهي من القضايا الأساسية في العالم حالياً وتهم الإنسانية، فمثل هذه الإجراءات من شأنها أن تجعل من طموحات الولايات المتحدة الدولية كقوى عظمى أشد قتامة إن لم تكن تسير بها إلى التواضع.

تتجه الإدارة الأميركية إلى سلسلة من الأخطاء السياسية الخطيرة التي سيعرض أمنها وأمن العالم للخطر ويدمر تحالفاتها الدولية والإقليمية وهو ما يعني في المقابل تقوية منافسيها وأعدائها الإقليميين ضد سياساتها ومصالحها.

المشترك بين الإدارتين حتى الآن أن هناك تشابهاً في خروج قرارات غير مدروسة فيما يخص الشرق الأوسط البقعة الأهم في السياسة الدولية وفي ارتكاز السياسة الخارجية الأميركية وعلى ثبات موقعها كقوى عظمى، وقد فشل المحللون -حتى الآن-في تقديم الأجوبة على أسئلة ما تهدف إليه الإدارتان غير التخلي عن حلفائها التقليديين الذين باتوا أكثر استعداداً لمغامرات السياسة الأميركية، فالواضح لنا غياب الدقة في اتخاذ قرارات مناسبة للسياسة الأميركية.

الخلاصة: اختلفت طريقة تمكين إيران في المنطقة ولكن النتيجة واحدة بل قد تكون مضاف إليها اللاوعي مع الإدمان على التخلي عن أي مساعد له في إدارة السياسة الخارجية التي يتم صناعتها في أكثر من مؤسسة أميركية عريقة منها وزارة الدفاع «البنتاغون».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات