أفريقيا بين الشرق والغرب

بينما هي تعاني عللاً شتى تهدد بقاءها على النحو الذي يعرفه العالم، تبدو أوروبا وكأنها تعيد اكتشاف أفريقيا، لتصبح بذلك آخر من دخلوا حلبة التنافس العالمي على الفرص فيها. خلال الشهور الماضية، طفت على السطح الأوروبي مشكلات لا آخر لها.

بريطانيا مستغرقة تماماً في جدل الخروج من الاتحاد الأوروبي. وهو الجدل الذي صار يشكل أزمة خطيرة تشل السياسة والمجتمع. وفرنسا لم تكن وحدها التي شهدت تظاهرات كبرى تعكس أوضاعاً قلقة.

فالتظاهرات شهدتها أيضاً صربيا ضد سياسات الحكومة الحالية خصوصاً بعد تعرض زعيم حزب معارض للضرب، بينما اندلعت مظاهرات المجر رفضاً لقانون جديد يزيد ساعات العمل تبناه الرئيس أوربان.

وأسبانيا عانت طوال العام من معركة كاتالونيا. أما ألمانيا، فهي على أعتاب مرحلة تختار فيها قيادة جديدة خلفاً لأنجيلا ميركيل. والاتحاد الأوروبي ذاته تبدو علاقته أسوأ من أي وقت مضى ليس فقط مع روسيا، وإنما مع الولايات المتحدة أيضاً.

لذا كان لافتاً إلى حد كبير أن يعلن جون كلود جانكر، رئيس المفوضية الأوروبية، الأسبوع الماضي، الاهتمام بتطوير العلاقة مع دول أفريقيا مؤكداً أن «مستقبل أفريقيا هو مستقبلنا أيضاً». وقد اعترف الرجل، رداً على سؤال لأحد الصحفيين، بأن أوروبا قد تأخرت في «اكتشاف» فرص الاستثمار في أفريقيا، مؤكداً على ضرورة التعاون بين أوروبا وأفريقيا على أسس جديدة وصفها «بالشراكة بين متساوين».

غير أن المفارقة الأكثر دلالة كانت في موقف مستشار النمسا، الذي انعقد في بلاده منتدى الاستثمار الأوروبي الأفريقي، الذي كان يتحدث فيه رئيس المفوضية الأوروبية.

فرغم مواقفه المعادية للهجرة، بما فيها بالتأكيد الهجرة القادمة من أفريقيا، فقد أكد المستشار النمساوي على ضرورة التعاون بين أفريقيا وأوروبا خصوصاً في المجال الاقتصادي والاستثمار. والموقف الأوروبي يأتي بعد أيام قليلة من الخطاب الذي ألقاه جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي في مؤسسة هيريتيج الأميركية وأعلن فيه «استراتيجية إدارة ترامب» تجاه أفريقيا.

فكانت المفارقة هي حجم المشترك بين الموقفين الأوروبي والأميركي. فقد انطوى كلاهما على الحديث عن أطراف غير أفريقية أكثر من الحديث عن أفريقيا نفسها. فالمستشار النمساوي، الذي تتولى بلاده اليوم رئاسة الاتحاد الأوروبي، قال مثلاً إنه على الاتحاد الأوروبي «ألا يترك قارة أفريقيا للصين».

وهو المعنى ذاته تقريباً الذي جاء في خطاب بولتون، الذي جاء في خطابه أن «الصين تكرس وجودها بالقارة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وعلينا أن نظل البديل» الأفضل. وبولتون أكد في مواضع أخرى من خطابه على أن روسيا والصين، لا الصين وحدها، تعملان «عمداً» على التفوق على أميركا في قارة أفريقيا.

والحقيقة أن تجاهل كل من أوروبا والولايات المتحدة لأفريقيا كان قد منح الصين فرصة ذهبية لتثبيت نفوذها المتنامي في أفريقيا. ففضلاً عن التعاون في مجال إنشاء البنية التحتية في الكثير من دول القارة، وإقامة قاعدة عسكرية لها في جيبوتي، ربما يكون الأكثر دلالة على تزايد النفوذ الصيني هو تنامي الطلب بدول القارة على تعلم اللغة الصينية بل والصورة الأكثر إيجابية للصين وروسيا لدى الرأي العام الأفريقي بالمقارنة بالولايات المتحدة وأوروبا.

ففي الوقت الذي تظل هناك أصوات ترى في تزايد الوجود الصيني «نوعاً جديداً من الاستعمار»، خصوصاً مع الانتقادات التي وجهها الكثير من المحللين للديون التي تراكمها الدول الأفريقية المنخرطة في برنامج الشراكة الصيني، تظل الصين مرتبطة في أذهان الكثيرين في دول أفريقيا بمشروعات الطرق بعد رحيل الاستعمار الغربي، بينما ترتبط روسيا في أذهانهم بدعم حركات الاستقلال الوطني الأفريقية نفسها ضد ذلك الاستعمار.

والتنافس الدولي الحالي على القارة الأفريقية فيه من المخاطر بقدر ما فيه من المزايا لأبناء أفريقيا. أما المخاطر فتبدو في تعامل القوى الكبرى مع بعضها في هذا الشأن. فالواضح أن الولايات المتحدة وأوروبا تنظر كل منهما لأي توسع في دور الصين أو روسيا في أفريقيا باعتباره منهجاً عدائياً يستهدفها، ويمثل معادلة صفرية. أي أن نجاح أحد الأطراف معناه هزيمة الآخر.

وفي ظل حرص كل تلك الأطراف، بما فيها الصين على الوجود العسكري، فإن من شأن تلك المنافسات «الصفرية» أن تفتح الباب لصراعات قد تعيد القارة لأتون الحروب التي تأتي على الأخضر واليابس.

لكن تظل الدفة، في تقديري، في يد الأفارقة أنفسهم. فأفريقيا اليوم، باقتصاداتها الواعدة وفرصها الكبيرة ونهضة التعليم بها، فضلاً عن نمو الطبقة الوسطى، لم تعد هي ذاتها أفريقيا التي كانت مرتعاً سهلاً للاستعمار.

ومن هنا، فإن دول أفريقيا تملك اليوم الفرصة لبحث طروحات المتنافسين والحصول على الأفضل منها وفق أسس قائمة على الندية، وبناء على مصالحها الحيوية لا فقط مصالح أولئك الذين يتنافسون على خيرات القارة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات