تأملات في الاشتباكات الغربية الباردة

في مقاربته لقضية انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي (البريكسيت)، يتبنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب موقفاً مثيراً للحيرة والاضطراب. غداة تصويت البريطانيين لصالح مفارقة الاتحاد، كان الرجل في أوج حملته الانتخابية وقد أعلن استحسانه لهذا القرار.

لكنه أفصح عما يضمره من سوء لمستقبل التجربة الاتحادية الأوروبية بقضها وقضيضها، حين توقع في يناير 2017، فور تسيده للبيت الأبيض، أن يشجع المثل البريطاني دولاً أخرى على اتباع النهج ذاته.

بعد ثلاثة أشهر من ذلك التشوف، أثنى ترامب على قوة الاتحاد وقدرته علي تجاوز توابع القرار البريطاني، وصرح حرفياً بأنه «متأكد من إمساك الأوروبيين بزمام الأمور، وأن التفاوض على خروج بريطانيا مفيد لها وللاتحاد».

بيد أنه لم تمر سوى ثلاثة أشهر أخرى، حتى كان الرئيس الأميركي قد غير موقفه مجدداً بمعدل مئة وثمانين درجة، بأن نصح رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي أثناء زيارته لندن في يوليو 2017، بأن لا تفاوض الاتحاد الأوروبي بل أن تقاضيه.

ما يدعو لمزيد من الدهشة، أن السيدة ماي قالت بأن ترامب حثها في الزيارة ذاتها على ألا تبتعد عن المفاوضات «وإلا سوف تكونين في مأزق )!

من يتابع مراوحة الرئيس الأميركي على هذا النحو بين الرأي وعكسه، إزاء واقعة واحدة، يكاد يصاب بالدوار. وبخلاف هذا الموقف الرجراج الأميل إلى السلبية والتربص، لم يحدث أن أبدت واشنطن مناوأتها للمسيرة الاتحادية الأوروبية منذ أن أطلت في منتصف القرن الماضي.

فلطالما حظيت هذه المسيرة بالتشجيع والدعم الأميركيين، باعتبارها ظهيراً اقتصادياً قوياً لعالم الغرب الرأسمالي في مواجهة الخصم الشيوعي، الرابض شرقاً والساعي إلى التمدد غرباً. تماماً كما كان الناتو ومازال يمثل حائط الصد الأمني، في غمار هذه المواجهة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

بين يدي هذا التوجه الاستراتيجي العام قيل، عن حق، بأن واشنطن استحثت حليفها البريطاني الصدوق على الالتحاق بالقاطرة الاتحادية الأوروبية، وساهمت في تخليصه من حالة التردد وشبه العزلة القارية، آملة بذلك أن تكون عضويته بمثابة حصان طروادة لها في أحشاء هذه التجربة.

وقد ظل هذا التصور سائداً إلى آخر عهد الرئيس باراك أوباما؛ الذي هدد قبل عامين فقط» بجعل المملكة المتحدة في آخر أولويات بلاده التجارية، في حال انسحبت من الاتحاد الأوروبي .

ترى، ما الذي دفع ترامب وبطانته من الجمهوريين واليمينيين الشعبويين ومشايعيهم؛ إلى التحول والنكوص عن هذا النهج الأميركي طويل الأجل، سواء لجهة اسناد التجربة الاتحادية الأوروبية القارية أم لجهة بقاء الحصان البريطاني في إطارها ؟!.

بهذا الصدد، تدور المداولات والتوقعات في فلك أسباب، يتصل معظمها بعهد ترامب ومنظوراته الايديولوجية والسياسية. منها، تبنيه لفلسفة أميركا أولاً، ومجافاته للمؤسسات الدولية متعددة الأطراف، وقناعته بأن البريكسيت سوف يلقي ببريطانيا أكثر فأكثر في حجر الولايات المتحدة، ويساعد واشنطن على فرض رؤاها السياسية في القارة العجوز.

ثم إن ارتداد بريطانيا عن أوروبا الاتحادية سيعزلها عن فكرة الجيش الأوروبي؛ التي راحت فرنسا وألمانيا تتبناها وتروج لها، ومن المتوقع أن تظل لندن، كعهدها دائماً، لصيقة بمفهوم الحماية الأميركية تحت مظلة الناتو.

إحدى المفارقات بهذا الخصوص، أن لهذه القراءة الترامبية أرضية لدى الرأي العام الأميركي. ففي تحقيق أجري مؤخراً «لم يعبر الأميركيون عن رؤية حاسمة بشأن الحليف الأهم بعد البريكست، أهو بريطانيا أم الاتحاد الأوروبي؛ لكن تسعين في المئة منهم منحازون إلى الإبقاء على علاقة قوية للتبادل التجاري مع لندن».

هذه المعطيات تثير السؤال عن أيهما الذي تأثر بالآخر، ترامب وجماعته أم سواد الأميركيين ؟!. أما الاستفهام الأكثر الحاحاً واستفزازاً للجدل والتناظر، فيتعلق بما إن كان القطب الأميركي قد تخلى عن وظيفة اختراق طروادة (التجربة الاتحادية الأوروبية)، وانحرف نحو هدم طروادة بكاملها ؟!.

وإذا صح أننا بصدد تحول فارق من هذا القبيل، فماهي الكيفية التي سيتعامل بها الاتحاديون الأوروبيون، وما آفاق هذه الحالة من المناكفات المتبادلة داخل عالم الغرب بين ضفتي الأطلسي؟!.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات