«ما ظهر كان مسخاً»

تابعت الحلقات التي أنتجتها قناة «الجزيرة» تحت عنوان «ما خفي أعظم». وهي في رأيي أقرب ما تكون إلى أفلام الإثارة والمسلسلا ت البوليسية ذات الحبكة السيئة، منها إلى الحقيقة التي يمكن أن يتقبلها العقل والمنطق السليم.

واضح أن من أنتج هذا البرنامج حاول أن يقنعنا بأنه بذل جهداً كبيراً في البحث عن الأشخاص والحقائق، كي يقدم لنا سلسلة أفلام وثائقية مقنعة، تحتوي على معلومات موثقة، لكن الأوضح هو أن المعلومات التي وردت في هذه الأفلام مصدرها هو المخابرات القطرية، بدليل أن أحد المتحدثين الرئيسيين في السلسلة عميد متقاعد في جهاز المخابرات القطرية.

أما بقية المتحدثين فقد تم تقديمهم بصفتهم قادة المحاولة الانقلابية الذين كانوا يتنقلون بين السعودية والبحرين والإمارات ومصر، بينما كان جهاز المخابرات القطرية يتابعهم من مكان إلى مكان، حتى تمكن في نهاية الأمر من القبض عليهم، وإحضارهم إلى قطر، بشكل تعجز عنه أكبر أجهزة المخابرات العالمية، وعلى رأسها «سي. آي. إى» و «كي. جي. بي».

حدث هذا في الجزأين الأول والثاني من السلسلة التي أطلقت القناة عليها اسم «قطر 96». أما الجزء الخاص بالمرتزق الفرنسي «بول باريل» فقد كان قمة الإثارة والخيال الذي لا يخطر على بال أهم مخرجي أفلام الجريمة والخيال العلمي في هوليوود، وعلى رأسهم «هيتشكوك» و«ستيفن سبيلبرغ».

فقد ظهر «باريل» في الفيلم الوثائقي وكأنه النسخة الفرنسية من بطل هوليوود «رامبو» الأميركي، الذي كان يتنقل بين أميركا وفيتنام وتايلند وبورما، ينقذ الجنود الأميركان، ويقتل الروس والفيتناميين والبورميين. هذا ما حاول أن يقنعنا به «المرتزق الفرنسي» في فيلم «الجزيرة» الوثائقي الذي يمكن أن نطلق عليه «رامبو» الفرنسي.

فهو ينقل أطناناً من الأسلحة من دولة إلى دولة دون أن يشعر بها أحد، ويخزنها في الفنادق دون أن يثير انتباه أحد، ويدرب رجاله عليها في الصحراء دون أن يراهم أحد، ويتفق مع 3 آلاف مرتزق أفريقي، بعلم رئيس دولتهم، دون أن يسمع عن اتفاقه أحد.

وفي النهاية يهاتفه الرئيس الفرنسي الأسبق «جاك شيراك» طالباً منه وقف العملية، وكأنه رئيس دولة، وليس زعيم عصابة من المرتزقة، يتم استئجاره لتنفيذ عمليات قذرة من ذلك النوع الذي تنفذه عصابات المافيا عادة، وليس الدول المحترمة التي ذكرها في حديثه، دون دليل أو برهان.

واضح أن «بول باريل» العجوز، الذي يعاني من السرطان في نهاية عمره، يبحث عن مصدر رزق بعد أن أصبح عاجزاً عن تقديم الخدمات القذرة التي كان يقدمها عندما كان قادراً على تقديمها. وليس أسهل من شراء مرتزق سابق سيء السمعة، وكتابة سيناريو على ذوق الزبون الذي يدفع بسخاء.

كما أنه ليس هناك من هو أبرع من قناة «الجزيرة» القطرية التي أنتجت البرنامج وبثته، كي تؤلف قصة مثل هذه، وتوفر لها الممثلين والكومبارس والفنيين والعناصر الأخرى، لإخراجها على النحو الذي رأيناه في الفيلم الوثائقي الذي أطلقت عليه «ما خفي أعظم».

ولكن من سوء حظها أن نسخة الفيلم جاءت رديئة وسيئة وغير قابلة للتصديق، لأنها لا تملك المقومات التي تجعل منها أكثر من فيلم سيء التأليف والتمثيل والإخراج، على غرار الأفلام الفاشلة التي تزخر بها السينما العربية والعالمية.

لأن من يعرف «باريل» كما تحدث عنه عسكريون وسياسيون وأكاديميون في التحقيق الذي أعدته عنه مراسلة «البيان» في باريس مريم بومديان، ونشرته «البيان» يوم الثلاثاء 18 ديسمبر الحالي، يعرف أن حديثه على قدر الدولارات التي تم دفعها له.

«باريل» كان يقدم خدمات أمنية للشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر الأسبق، خلال تنقلاته في أوروبا فقط، وقد صاحبه كحارس شخصي، ومعه مجموعة من أفراد شركته التي أسسها عقب فصله من الخدمة أثناء وجوده في أوروبا بعد انقلاب ابنه عليه، وسافر معه إلى دول خليجية عدة، وعاد بعدها إلى فرنسا، وتم التحقيق معه في تهم لا تتعلق بالخليج، ولم يذكر وقتها أنه كان في مهمة عسكرية، وأنه على علاقة بالرئيس الفرنسي الأسبق «جاك شيراك» كما ادعى. هذا هو ما قاله عنه فابيان ماندو، الضابط السابق بوزارة الدفاع الفرنسية.

وهو متطابق مع ما غرد به معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، عندما قال إن المرتزق الفرنسي كان مسؤولاً أمنياً عند المرحوم الشيخ خليفة بن حمد، ومرافقاً له في رحلاته بعد انقلاب الابن على الأب، ولم تكن له أي علاقة بالإمارات.

إن استخدام مرتزق وزعيم عصابة سابق سيء السمعة لتشويه سمعة قادة وشخصيات خليجية وعربية معروفة بوطنيتها ونزاهتها، يحمل في بنائه أساس كذبه وبطلانه وعدم مصداقيته.

وقد فشلت قناة «الجزيرة» بامتياز في محاولتها تزييف الحقائق، وتشويه صور القادة والزعماء الذين تكن لهم شعوبهم والعالم أجمع كل الاحترام والتقدير، وتعلم جيدا أنهم يترفعون عن الصغائر التي وردت في الأجزاء الثلاثة من فيلم «الجزيرة» الوثائقي الفاشل، لأن العالم أجمع يعلم أن الدول التي حاولت تلك السلسلة أن تشوه صورتها تعمل في العلن، وأن زعماءها وقادتها، من رحل منهم ومن يقود السفينة الآن، أكبر من هذه الصغائر.

لقد فشل «ما خفي أعظم» بامتياز، وكان ما ظهر أصغر من أن يشوه صورة قادة عظماء، أو أن يضر بسمعة دول لا تلجأ إلى مثل هذه الوسائل الوضيعة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات