قرن وثلاثة زعماء تاريخيين

مضى العام 2018 ومضت معه الذكرى المئوية لثلاثة زعامات تاريخية تركت أثراً كبيراً على شعوبها وأمتها وإقليمها والعالم. واستخدامي لكلمة زعيم أو قائد استخدام محايد لا يفترض التأييد أو الاعتراض على سياسات هذه الشخصيات التي ملأت الوجود حضوراً وتركت بصماتها على صفحات التاريخ.

والثلاثة شخصيات التي نحن بصددها هي من مواليد 1918 وتحل علينا مئوية كل منهم هذا العام 2018. وهم: الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي كان ميلاده في 6 مايو، جمال عبد الناصر الذي ولد 15 يناير، وأخيراً وليس آخراً، نيلسون مانديلا الذي ظهر إلى الوجود في 18 من يوليو من العام نفسه.

الثلاثة يشتركون في أنهم بنوا أمماً ودولاً، وساهموا في إحداث نقلات نوعية في بلدانهم ومحيطهم. وجميعهم كانت لهم إرادة قوية. والثلاثة سعوا لتغيير الواقع، وفي كثير من الأحيان كانت التحديات قوية. جميعهم كانوا مثاليين في التعامل مع الوضع الدولي والقوى العظمى.

أول هذه الشخصيات، حسب ظهورها على المسرح التاريخي والسياسي هو جمال عبد الناصر. فقد تتلمذ الزعيم المصري في سياقات عدة منها على السياسات الشعبوية ووسط الجماهير، وسعى لإنهاء السيطرة الأجنبية على البلاد وعلى العالم العربي.

ولكن الجيش كان المدرسة الكبرى في حياة عبد الناصر. وقد انتظم الزعيم الراحل في الجيش الوطني المصري في العام 1938 واشترك في حرب فلسطين الذي كاد أن يستشهد فيها، ونجى لكي يلعب دوراً تاريخياً مهماً شكل منعطفاً ما زالت آثاره ومعالمه مطبوعة في صفحات التاريخ العربي المعاصر.

وقد أثرت حرب فلسطين على عبد الناصر وأقنعته بأن الهزيمة وضياع فلسطين مرتبطان ارتباطاً عضوياً بفساد النظام القائم. وقد اتفق مع بعض الضباط، الذي أطلق عليهم الضباط الأحرار لقلب نظام الحكم في مصر وتأسيس جمهورية على أنقاض النظام الملكي.

وكان ذلك في 23 يوليو 1952، وحينها كان عمر عبد الناصر في الرابعة والثلاثين ورغم أن هؤلاء الضباط أتوا بانقلاب عسكري إلى أن أجندتهم كانت أجندة ثورية. فقد قاموا بتغييرات جذرية في النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي عبر إصلاحات وتأميمات شملت قطاعات اقتصادية عدة، كما ولجت الدولة في الاقتصاد وأصبحت تقود عملية التنمية.

ولكن النشاط السياسي الخارجي لحكومة عبد الناصر أدى إلى التورط في حرب اليمن، التي أدت إلى هزيمة 1967.

أما الشخصية الثانية حسب ظهورها على مسرح الأحداث في العالم العربي فهو الراحل الكبير المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وبعكس الشخصية الأولى ولد الشيخ زايد في بيت الحكم. فكان حفيداً لحاكم وابناً لحاكم ثم أخاً لحاكم.

وعندما وصل إلى سدة الحكم كانت شخصية زايد قد صقلت وعركتها تجارب كبيرة وطويلة، حيث لعب أدواراً عدة كمشرف على الشركات ورحلاتها الاستكشافية مما أكسبه خبرة في تعامله مع أهل البادية، وتعلم منهم فنوناً شتى من الفروسية إلى الشعر. كما خدم فترة ممثلاً للحاكم في المنطقة الشرقية واختلط بسكان المدن والحواضر، وأكسبه ذلك فنون التعامل مع شخصيات مختلفة.

ولكن زايد لم يكن مقتنعاً بواقع إمارته والإمارات المجاورة من ناحيتين مهمتين. الأولى حالة التشرذم في الساحل والتخلف الذي كان يسود المنطقة. وعقد العزم على تغيير هذا الواقع عندما تسنح له الفرصة. وكان موعده مع السادس من أغسطس حين تولى مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي.

وقد صادف حكم زايد تدفق واردات من النفط لم تكن قليلة حينها. فكانت رؤية زايد الثاقبة ألا يمكن أن يحدث تحول نوعي في الساحل إلا بوحدة هذه الإمارات المختلفة، والثاني تسخير الثروة الوطنية لعملية تنموية شاملة تحول واقع البلاد من منطقة في آخر العالم إلى مقدمتها.

واستطاع زايد بحنكته وحكمته التي اشتهر بها تجميع الإمارات بما فيها الجارتين قطر والبحرين في مشروع اتحاد تساعي. ولكن الجهود المخلصة لم ينتج منها إلا اتحاد سباعي يعمه الرخاء والتقدم والنماء. واحتفلت الإمارات العربية العام الحالي بمئوية هذا الزعيم الخالد والذكرى السابعة والأربعين لميلاد دولة الاتحاد.

وأخيراً كان ميلاد القائد الإفريقي الفذ نيلسون مانديلا. فقد واجه هذا الزعيم، الذي أضحى عنواناً للتضحية والفداء ورمزاً للحرية والإباء، تحدياً منذ نعومة أظافره. ورغم أن جده الأكبر كان أحد الملوك وكان أبوه زعيماً محلياً ومستشاراً لملك، إلا أن وضع البلاد الرازح تحت سيطرة البيض أعاق حراك مانديلا والشعوب السوداء.

وقد تعمق بطش الأقلية البيضاء ضد الأغلبية السوداء حين فرضت نظام الأبارتايد في العام 1948. وقد تصدى لها مانديلا ببسالة عبر حزب المؤتمر الوطني المناهض لنظام الفصل العنصري. وقد اقتنع مانديلا بضرورة الكفاح لإنهاء النظام العنصري.

وقد كلفه ذلك أن سجن في العام 1962 حتى خرج حراً طليقاً وزعيماً شعبياً قاد بلاده للاستقلال وإنهاء نظام الفصل العنصري. وأصبح بعدها أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا. ولم يطلب انتقاماً من مضطهديه وأعدائه، بل أكد على المصارحة والمصالحة.

ثلاثة زعماء ظهروا في فترات تاريخية مختلفة وفي بلدان مختلفة ولعبوا أدواراً غيّرت مجرى تاريخ بلدانهم والعالم.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات