إلا زايد

وقف أحد أشياخ بني أمية أمام أبي جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس وأحد مؤسسي دولتهم العظام، فبادره بسؤال يشبه كثيراً ما يُعرف حالياً بمقابلات الرحيل Exit Interview والتي تتم مع الموظفين الراحلين عن المؤسسة، لأنهم حينها لن يُجاملوا ولن يُنمّقوا أجوبتهم وسيقولون الحقيقة عن الوضع الداخلي، إذ قال له: «كيف زالت دولتكم»، فردّ عليه الشيخ الحكيم: «أمورٌ كبيرة أوليناها للصغار، وأمورٌ صغيرة أوليناها للكبار، أبعدنا الصديق ثقة بصداقته، وقرّبنا العدو اتقاء عداوته، فلم يتحوّل العدو صديقاً، وتحوّل الصديق عدواً»!

«قليل النصيب» هو من تختلط عليه الأمور وتنقلب لديه المقاييس وتنتكس بصيرته قبل بصره، والصغيرُ في كل شيء هو الذي لا ينفك عن ارتكاب الخطايا المخجلة عندما يتسنَّم شيئاً من الأمر، و«زكاة الطايفة» هو من لا يتورّع عن اقتراف أي رذيلة من القول أو الفعل متى وجد لذلك سبيلاً.

لأنه لا يعلم ما هو الخُلُق ولا يدري ما هي المروءة، وعندما يُذيّل الصغير اسمه بعائلة حاكمة فإنّ أقواله وأفعاله تُعيده فعلاً إلى الخانة التي تليق به، فالأسماء لا ترفع وضيعاً والألقاب لا تُلمّع «غِشّاً»، وكما تقول الحكمة الصينية القديمة: «إنَّ السرجَ الذهبي لا يجعل مِن الحمارِ حصاناً»!

عائلة آل ثاني عائلة عربية عريقة كريمة لا نحمل لهم إلا التقدير والإعزاز، لكنها ابْتُلِيَتْ هذه الفترة بمنتسبين لها لم يحترموا عراقة هذه العائلة ولم يستنّوا بِسُنن رجالاتها الكرام، فحادوا عن طريق الرجال إلى سراديب الأنذال، فلم يتركوا سوءاً إلا وأتوه، ولا رذيلةَ قولٍ أو فعلٍ إلا وركبوا لها الصعب والذلول، وبعد أن كانت قطر برجال آل ثاني الكبار فعلاً وقَدْراً رِدءاً لشقيقاتها وعوناً لأهلها، أصبحت بهؤلاء الأُغيلمة خنجراً في خاصرة العرب ومحوراً لكل المؤامرات التي تُحاك على جيرانها.

ويوم أن أنفق إخوانهم في الخليج الخير الذي ساقه الله تعالى لهم من عوائد النفط للبناء والتنمية وتقريب الشُقَّة مع دول النخبة العالمية، إذا بتنظيم الحمدين يُسخّر ثروات قطر وأهلها لتمزيق مَن حولها وإطلاق آلتها الإعلامية لتقوم بأسوأ عملية تزوير وخديعة إعلامية للتلبيس والتدليس على الشعوب العربية في تاريخ العرب الطويل!

وحيث إنّ المولى سبحانه يقول: «والْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ والَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا» فإنّه لم يكن مستغرباً أن يخرج من هذا التنظيم الخبيث أحدُ «نبّاحيهم» ليفجر في خصومته كعادة أسياده، ويُلقي بكل ذاك الغِلّ والمرض وسوء الطوية الذي يحمله على والدنا الشيخ زايد عليه رحمة الله وغفرانه.

فهؤلاء لا «حِشمة» لحيٍ لديهم ولا حُرمة لميّتٍ عندهم، قولهم هو أرذل القول وفِعلهم هو أنتن ما قد يأتيه بشر، وما داموا مختبئين خلف شاشة هاتف أو حاسب فهم يتطاولون لكل قمّة سامقة بساقط قولهم، أمّا فِعلهم فلن يُخرجهم من القيعان التي يتمرغون فيها!

يعلمون جيداً أن زايد رحمه الله تعالى لا يجود الزمان بمثله كثيراً، وأنّ ما قام به من منجز حضاري في فترةٍ زمنية قياسية تضعه مع نخبة القادة الأفذاذ على مدى التاريخ البشري، كان هو القائد الذي بفضل الله تعالى ثم فكره وجَلَدِه وصِدق نيّته أوجد من صحاري جرداء وقبائل متناحرة وفيافي ينعق بها الفقر والخوف واليأس دولةً زاهية الظاهر، طيّبة الباطن، عوناً للصديق، وملاذاً لمن تكالبت عليه الظروف والأيام، يعلمون جيداً أن زايد لا يتكرر.

وأنهم مهما حاولوا فلن يصلوا أخمص قدمه، البَون شاسع والمقارنة منعدمة، فلا غرابة أن يحاولوا طمس وجود الشمس بإثارة الغبار فوق رؤوسهم الخاوية وأمام أعينهم الرمداء، اسم زايد يُعيدهم لحجمهم الطبيعي، يُذكِّرهم أنهم صغار جداً، يرسّخ في نفوسهم عُقدة النقص والخيبة، تماماً كتلك المقولة الشهيرة: «الكارهون لا يكرهونك لذاتك، لكنهم يكرهونك لأنك تبدو النموذج الذي طالما حلموا أن يصلوه ولم يستطيعوا»!

لن يضير زايد الخير عليه شآبيب الرحمة تطاول صغيرٍ لا يُعرَف إذا حضر ولا يُفتَقَد إذا غاب، ولن يمسَّ مكانته العالية في قلوب العرب نُباح جبانٍ يختبئ خلف شاشة ويصفق له أضرابه من سَقَط المتاع وأراذل القوم، هم يعرضون بضاعتهم الكاسدة ويُفصِحون عن غِلّهم المكبوت، لا غرابة فيمن يحتمي بالفرس ويرتمي على أبواب الأتراك بحثاً عن مكانة لا تزيده إلا ذُلّاً.

أمّا زايد فلن يبلغوا شِسْع نعله ولو اجتهدوا ليلهم ونهارهم، فهو من يصح فيه ما قاله الإمام أحمد بن حنبل عن الشافعي: «كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خَلَف، أو منهما عِوَض»!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات