هفوات «الكبتنة» الفادحة

تعترضنا جميعاً كمتخذي قرار، هفوة من هفوات «الكبتنة». والأسوأ حينما تكون تداعياتها فادحة. هذا المفهوم برز عقب الحرب العالمية الثانية، عندما انتعش الطيران التجاري، بعد أن كان التحليق مقتصراً على الطيارين الحربيين، من دون أمانة حمل مئات الركاب المدنيين.

فتبين من خلال تسجيلات الصندوق الأسود، الذي وثّق مجريات الحوارات بين قباطنة الطائرات ومساعديهم بأن من الحوادث الجسيمة، ما كان يمكن تفاديه، لو أن «الكابتن» قد أنصت جيداً لتنبيهات مساعديه.

من تلك الحوادث، الطائرة التي تحطمت في نهر البوتوماك في أوج موجة الصقيع عام 1982، بعد إقلاعها مما يسمى حالياً مطار ريغان في العاصمة واشنطن. التحريات أظهرت الحوار التالي، الذي ينبغي علينا جميعاً تأمله، حيث قال مساعد قبطان الطائرة: لنتأكد أو نتفحص الثلج على سطح أجنحة الطائرة.

فرد القبطان بسرعة قائلاً: لا، بل أرى أننا يجب أن نقلع خلال دقيقة واحدة. أشار المساعد إلى أحد العدادات وهما يهمان بالإقلاع، فقال: يبدو أن هناك شيئاً ما ليس على ما يرام. سكت المساعد برهة ثم قال بصوت منفعل: يا إلهي فعلاً هناك مشكلة. رد القبطان بصوت متهدج: صحيح هناك مشكلة. وفي أثناء ذلك، سُمِع صوت هدير محركات الطائرة وهي تحاول الإقلاع بقوة لارتفاعات شاهقة، لكن من دون جدوى.

هنا قال المساعد للقبطان: «لاري! نحن نسقط» (يقصد باتجاه النهر). فقال القبطان بانفعال وارتباك: أعلم ذلك. وفجأة سمع صوت ارتطام الطائرة بالنهر، فلقي الكابتن ومساعده حتفهما مع 76 ركاباً كانوا على متن طيران فلوريدا، في رحلة حملت رقم 90.

هذا الخطأ الفادح يسمى «الكبتنة» captainitis، أو «أخطاء القباطنة» أو الرؤساء أو القياديين، وهي مسألة ترتكب على مدار الساعة، ليس فقط من قبل القيادي نفسه، بل حتى من مساعديه الذين يستسلمون لما يقوله «كبيرهم»، حتى وإن كان يدفعهم بتسرع نحو التهلكة. فهم يؤثرون السلامة في علاقتهم الفردية معه، ولو كانت على حساب مصلحة المنظمة أو البلاد بأسرها.

ومن تلك القصص أيضاً، دراسة شهيرة، لعب فيها الباحث تشارليز هوفلينغ، دور مدير مستشفى. فطلب من الممرضات بعد التعريف بنفسه، بأن يمنحن المرضى كمية مضاعفة من الحد اليومي الأقصى للجرعة المسموح بها من دواء معين.

وكانت المفاجأة، أن 95 في المئة من الهيئة التمريضية، قد استجابت لذلك الطلب، باعتباره صادراً من مدير مستشفى، على افتراض أنه خبير في مجاله. وحدث ذلك، على الرغم من أنهن قد تدربن على الجرعات القصوى المسموح بها يومياً لتلك العقاقير. وهذا مثال آخر علمي على خطورة التسليم لكبار المسؤولين، بحكم السلطة التي يتمتعون بها.

ولو فتحنا الصندوق الأسود للطائرات والسفن والعيادات والمصانع والإدارات وغرف المهندسين، وغيرها، لرأينا العجب العجاب من حالات التسليم بما يقوله المدير، درءاً لتداعيات المواجهة، وإن كان على حساب ضرر الآخرين. وهذا يجرنا لقضية في غاية الأهمية.

وهي أن تصحيح ما يوشك أن يقدم عليه القيادي من خطأ فادح مرهون بمناخ حرية التعبير، الذي يكفله المسؤول لمن حوله. فكلما ارتفع المستوى الوظيفي لكبار المسؤولين، زادت أهمية أن يصغوا باهتمام وتواضع وصدق لمن حولهم. فمهما كانت خبرتهم، تبقى نظرتهم مقصورة على جهة واحدة.

مثل الناظر إلى هرم كبير سليم البنيان، فيما يراه آخران متصدعاً من الجهتين المقابلتين. وكذلك الحال لو أن راكباً هرع لإخبار القبطان فور رؤية دخان متصاعد، أو سرب من الطيور يضرب محركات الطائرة، لما وقعت تلك الحوادث المأساوية، لأن المعلومة جاءت من زاوية أخرى.. كانت مهملة.

وما أكثر ما نهمل أو نتجاهل نداءات من حولنا، لاعتقادنا بأننا كقياديين أو «قباطنة»، قلما نخطئ، أو أننا أعلم بشؤوننا ممن هم أدنى منا مرتبة! هنا نقع في فخ «القباطنة»!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات