الإمارات تنحاز إلى التسامح

«عام التسامح» الذي أعلنه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، باعتباره استراتيجية دولة الإمارات خلال العام المقبل، هي واحدة من أهم المبادرات الإنسانية في العالم كله وليس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الجزء الجغرافي الذي يعتبر الأخطر في العالم، على اعتبار أن الانتقام والتطرف والإرهاب منتشر في العالم كله، وبالتالي فإن الإمارات تتبنى نظرية جديدة في التعامل الإنساني تناقض ما طرحه بعض المفكرين الغربيين من صدام الحضارات التي عانت البشرية منه قرابة العقدين.

لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار الاستراتيجية الإماراتية من باب الرفاهية التنموية أو من أجل «الشو الإعلامي» لأن التدخل الحكومي والدولي لحماية الإنسان، بات أمراً في غاية الأهمية نظراً لحالة الانتشار السريع في التطرف والتشدد بغض النظر عن طبيعة المعتقد أو العرق.

فالجميع يعاني منه، بل إن الاتجاه السياسي العالمي يميل نحو اختيار الناخبين للأحزاب المتطرفة والمتشددة باعتبارها وسيلة للدفاع من النفس، مثلما حدث في الولايات المتحدة باختيار الرئيس دونالد ترامب وغيرها من الأحزاب الأخرى في أوروبا التي تشتكي من الإسلاموفوبيا.

مجرد إعلان الإمارات هذه القيمة وهي تأتي استكمالاً للعديد من المبادرات للتعايش الإنساني مثل استقبال «بابا الفاتيكان» في شهر فبراير من العام المقبل وإصدار قانون ضد التمييز الإنساني في العام 2015 وكذلك احتضان حوالي 200 جنسية من كل أنحاء العالم.

فإنه نوع من توجيه الحكومات في العالم وكذلك المنظمات الدولية إلى «خارطة الطريق» الإنسانية بدلاً من النظريات الداعية إلى التشدد لأن مسألة الاعتماد على التشريعات القانونية والاعتماد على التأثير الإعلامي أو رجال الدين كلها عوامل مهمة، ولكن الرهان دائماً في دولة الإمارات على إشراك الرأي العام والمجتمع بالكامل، باعتباره العنصر الأكثر رشادة إذا وصلنا إلى مرحلة الاقتناع بأهمية التعايش والتسامح.

الاختلاط والتداخل الإنساني لم يعد خياراً مطروحاً أمام مجتمعات تفكر بالتنمية والتفاعل الإيجابي مع الآخر، فوفق «قانون العولمة» التي جعلت من العالم قرية صغيرة، على الجميع أن يتقبل المختلف عنه في الثقافة الدينية وفي العرق، كما أن تعزيز الانتماءات الجزئية لدولة أو مجتمع معين هو نوع من الانغلاق على التبادل الثقافي.

وهذا لا يتناسب والمجتمعات الحية حتى خلال فترات الدولة الإسلامية التي امتدت شرقاً وغرباً، وأثرت في المجتمعات الأخرى، وبالتالي ففوائد هذا الإعلان تتجاوز حدود دولة الإمارات الجغرافية، ولكنها تبقى بصمة إماراتية جديدة في التاريخ الإنساني.

يمكننا اعتبار تخصيص الإمارات العام 2019 عاماً للتسامح أنه يأتي من أجل إبراز تجربتها في التعايش الإنساني والتسامح التي أسسها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان باني الاتحاد الذي لفت انتباه العالم باتساع أفقه الإنساني إلى كافة دول العالم، من منطلق أن التطرف والإرهاب لم يعد له حدود، وكذلك التأكيد على اهتمامها الممتد في ترسيخ القيم الإنسانية لأنها الأبقى والأكثر استدامة.

وكذلك من أجل مساعدة المجتمع الدولي كله على تجاوز أخطر آفة يواجهها العالم وهي سياسة إقصاء الآخر والانتقام تحت اسم الدين والاختلاف، من خلال مبادرات نقيضة للتطرف وهذا في الحقيقة يعكس مبادئ دولة الإمارات ورؤية قيادتها السياسية، ويوضح سبب التقدم الحضاري والاستقرار التي تعيش فيه.

الإمارات تعلن صراحة تحيّزها للتسامح وتؤكد مكانتها باعتبارها عاصمة للقيم الإنسانية، وهي رغم أنها لا تعاني من التشدد وليست بحاجة له في ظل حالة الوئام والاستقرار، إلا أنها تبرز تحملها مسؤولية تحقيق الاستقرار والأمن العالميين حماية للإنسان، كما أنها تعكس قناعتها بأن احترام الاختلاف أياً كان هو سبب في تقدم الحضارات الإنسانية وتطورها.

التسامح في المجتمع الإماراتي ليس وليد اللحظة فهو سمة متجذرة مع نشأة الدولة على الأقل أن الكنيسة موجودة في مدينة العين قبل قيام الدولة، وبالتالي فإن أحد أسباب نجاح الخطط التنموية يرجع إلى تركيز القيادة السياسية في الدولة على التعايش الإنساني والتسامح بمختلف أشكاله، فهما سر وصفة التجربة الإماراتية.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات