عن الاتحاد الأوروبي والمأزومين الثلاثة

منذ ثلاثين شهراً صوّت البريطانيون بأغلبية ضئيلة جداً، لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك فإنهم مازالوا حائرين؛ يفكرون، يتساءلون ولم يجمعوا أمرهم على رأي راجح بقوة، بشأن جدوى مفارقة تجربة وحدوية قارية، انخرطوا فيها بعد تردد واستحياء قبل خمسة وأربعين عاماً.

القوى الرائدة لهذه التجربة وكانت تقليدياً الأكثر عطفاً عليها ورعاية لها، وفي طليعتها ألمانيا وفرنسا، استقبلت الاستنكاف البريطاني بالكثير من ضبط النفس.

وحاولت أن تقنع لندن بعدم التعجّل في المروق من العباءة الاتحادية، واستعدت لتسكين مخاوفها والتجاوز عن بعض مقتضيات العضوية، كان في ذلك ما يرضي قوة متميزة على الصعيدين الأوروبي والدولي.

ولم يكن هذا الاسترضاء غير استمرار لنهج الوحدويين الأوروبيين في التعامل مع الحذر والجفول البريطاني، الذي عادة ما كان يسبق كل خطوة اتحادية صاعدة. ومن ذلك القبول ببقاء لندن خارج منطقة العملة الموحدة (اليورو)، واستثنائها من تطبيق بعض التشريعات الأوروبية العابرة لسيادات دول الاتحاد.

بمجرد أن أبدت لندن، ولاسيما في عهد رئيسة الوزراء تيريزا ماي، تعلقها جدياً بالخروج، تحول موقف برلين وباريس إلى نوع من الصلابة في الدفاع عن مصالح الاتحاد.

ومما قيل في ذلك أن قادة القاطرة الاتحادية يودون إعلام من يهمه الأمر بعدم الاستهانة بخيار الانسحاب من التجربة، وأن هناك ثمناً لابد من الوفاء به «حتى يستشعر من تراودهم هذه الفكرة بأنهم لن يحققوها بصورة مأمونة العواقب، وأن أضرارها عليهم أكبر من نفعها بكثير».

اللافت أن سياق المفاوضات الخاصة بتطبيق الرغبة البريطانية المعروفة بالبريكسيت، أظهر صحة موقف الاتحاديين وقوة أوراقهم. فالمفاوض البريطاني، تحت زعامة ماي فشل في تحقيق مراداته، التي توخى منها المزاوجة بين التخلي عن عضوية الاتحاد وإعلاء مبدأ السيادة القومية، وبين الحفاظ على مكتسبات ومصالح لا يمكن إنجازها إلا في إطار هذه العضوية.

بصيغة أخرى، فإن رئيسة الوزراء المعتدة بزمن التاج البريطاني؛ المتوجّسة من معالم التبعية للمؤسسات الاتحادية، أخفقت في إعداد صيغة مقبولة داخلياً ومرضية أوروبياً للخروج من التجربة. وعلى خلفية هذا الإخفاق، تعيّن عليها مواجهة التصويت على حجب الثقة عنها داخل حزبها، حزب المحافظين، وقد تخطّته أخيراً بصعوبة كبيرة.

الحق أن ورطة سيدة الحكومة البريطانية وعجزها عن إبداع أسلوب للخلاص الآمن من ربقة زمن الالتزامات الاتحادية، هما انعكاس لموقف اللاحسم في جبهتها الداخلية. فنصف البريطانيين يرغبون في إعادة الاستفتاء على البريكسيت، وأكثر من ثلاثة أرباعهم غير راضين عن إدارة حكومتهم لهذا الملف.

المفارقة هنا أن سيدة ألمانيا وأوروبا الأولى أنغيلا ميركل، التي تقف على الجانب الوحدوي المضاد لتوجهات العنيدة تيريزا ماي، تواجه بدورها صعوبات داخلية، بما دعاها لإعلان الاستقالة قريباً من رئاسة حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، الذي ترأسته لثمانية عشر عاماً.

ويصح الاعتقاد بأن الرئيس إيمانويل ماكرون، أحد أهم رعاة التوجّه الاتحادي القاري في فرنسا، يعاني داخلياً أيضاً جراء غضبة المستائين من سياساته الاجتماعية والاقتصادية. لكن أزمة هذين العرّابين الاتحاديين في برلين وباريس، لم تزعزع إيمانهما بمستقبل أوروبا الموحدة.

وبينما كانت تيريزا وما زالت تقاتل في لندن لأجل تطبيق البريكسيت، الذي لا يمثل بزعمها نهاية العالم، جددت ميركل رفضها للحلول القومية في أوروبا، وأعلنت أن على أوروبا التقيد بالقيم والقناعات المشتركة «وإلا سحقتها الهياكل العالمية الكبيرة». ومن جانبه، يرى ماكرون أن «على الأوروبيين نبذ المنساقين وراء القومية وبناء اتحادهم، ليكون حصناً للديمقراطية الليبرالية من عالم فوضوي وخطير».

أكثر من ذلك، أنه راح يدعو لتشكيل قوة عسكرية أوروبية، تدافع عن القارة في مواجهة أي أخطار أمنية خارجية. ومن المعلوم أن هذه الرغبة الأخيرة استفزت الرئيس دونالد ترامب في واشنطن، رغم أنه تهكم عليها.

من الواضح أن الاتحاد الأوروبي أنتج منظومة من التشبيكات، التي يصعب على الأعضاء المشاركين الفكاك من سياقاتها، حتى إن أراد بعضهم ذلك. وهذا المشهد، حيث ديمومة التجربة بقوة الدفع الذاتي، يفصح عن درجة متقدمة من النجاح.

وبالتداعي، يبدو أن أصحاب التوجه المعاكس في بريطانيا، وعلى رأسهم تيريزا ماي وبطانتها، هم المرشحون أكثر من خصومهم للمراوحة في مربّع الأزمة إلى أجل غير معلوم.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات