جورج بوش الأب

جورج هيربرت واكر بوش الرئيس الحادي والعشرين للولايات المتحدة لحق بأسلافه في 30 نوفمبر بعد عمر ناهز الأربعة وتسعين عاماً قضى معظمها في السياسة. وقد تربى الرئيس الراحل جورج بوش في أسرة أرستقراطية عاشت في كناتكت، حيث كان والده برسكوت سيناتور تلك الولاية.

وكدأب أبناء الأسر المخملية، تخرّج بوش في مدارس خاصة، ومن ثم التحق بجامعة ييل النخبوية المرموقة. وانتقل بعدها إلى تكساس ليعمل في مجال النفط. وقد كوّن ثروة كبيرة في هذا المجال، إلا أن حب السياسة التي نبتت فيه تغلب على شغفه من مجال المال والأعمال.

وقد جرى كمرشح لمجلس النواب في العام 1966 وفاز بمقعد عن ولاية تكساس. ولعل رغبته للتغلب على أبيه جعلته يجري لانتخابات 1970 لمجلس الشيوخ. وقد التقى حينها برفيق دربه جيمس بيكر وعرض عليه أن يدير حملته كمرشح لمجلس الشيوخ. ويقول بيكر إنه أخبره بأنه ديمقراطي، فرد عليه بوش لا يهم يمكننا تغيير ذلك. ولكن الحظ لم يحالف بوش وخسر تلك الانتخابات.

وتغيّر مجال بوش من العمل السياسي عبر الانتخابات إلى العمل كسياسي معين من قبل الإدارات. فبعد هزيمته في الانتخابات لمجلس الشيوخ عينه الرئيس ريتشارد نيكسون سفيراً في الأمم المتحدة. فكانت هذه بداية لعشقه للشؤون الدولية والتي وجد فيها ضالته. وبعد الانفتاح على الصين، عيّن رئيساً للبعثة الأميركية في بكين. وتبعها تعينيه من قبل الرئيس جيرالد فورد مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية، السي آي أي. وقد تعزز بذلك تعلقه بالسياسة الخارجية أكثر فأكثر.

وفي العام 1980، جرى بوش للرئاسة ولكن تفوق الرئيس رونالد ريغان عليه في الانتخابات الأولية للحزب الجمهوري جعله يقبل بالمركز الثاني نائباً للرئيس. واشتغل نائباً للرئيس لفترتين متتاليتين من 1981 إلى 1989. وقد حقق مبتغاه حين انتخب رئيساً للبلاد في العام 1988. وأصبح رئيساً منذ 1989 إلى 1993.

ورغم إنجازاته في قضايا خارجية عدة، حقل اهتمامه وشغفه، إلا أنه خسر الانتخابات أمام خصمه بيل كلينتون في العام 1992. والسبب يعود إلى عزوف بوش عن الشأن الداخلي، والأهم هو أن ترشح روس بيرو مرشحاً ثالثاً في السباق الرئاسي أثّر على حظوظ الرئيس بوش.

ويعتقد الكثير أن بوش من آخر رجالات الحزب الجمهوري القديم، والذين آمنوا بقيم محافظة سواء أكان في الداخل أم في السياسة الخارجية. وذاك الجيل أعطى للمبادئ التي تمثل الحزب مساحة مساوية لتلك المتعلقة بالمصالح والمناورات السياسية. ولا شك فإن أية نظرة مراجعة لبوش تنطلق مما يحصل اليوم، أو حتى في عهد ابنه جورج بوش الابن، سترى أن الراحل بوش كان ودوداً وأكثر لطفاً من كل من واقع السياسة الأميركية الحالية.

فعندما قبل بترشيح حزبه لخوض الانتخابات الرئاسية في 1988، صدح بوش أنه يريد بلداً أكثر لطفاً ورفقاً. ولكن بوش لديه مقدرة للتلون على حسب ما تقتضيه الظروف. فعندما عرض على بوش أن يجري نائباً للمرشح ريغان طلب منه تغيير مواقفه من السياسات الاقتصادية الريغانية، والتي سخر منها من قبل ووصفها بأنها نوع من الشعوذة. ولم يجد غضاضة في تغيير موقفه من الإجهاض ليتناغم مع رؤية ريغان الأكثر محافظة والتي تتماهى مع القاعدة الانتخابية من الإنجيليين المناهضين للإجهاض.

وقد لعب دوراً هامشياً أثناء توليه منصب نائب الرئيس. فعدا عن قيامه بأدوار بروتوكولية كحضور مراسم الدفن والعزاء، لم يقم بالشيء الكثير كبعض نواب الرؤساء السابقين أو اللاحقين. ولعل شخصية الرئيس ريغان الطاغية والمحبوبة من قبل عموم الشعب، والذي كان يرى أنه متحدث بليغ غطت على بوش، والذي حتى بعد رئاسته كان يرى على أنه شخصية ضعيفة. ولم تكن مهاراته الخطابية تعينه على إخفاء مثالبه.

وقد دفعته هذه الخاصية الشخصية لاتخاذ مواقف متشددة بعض الأحيان وخاصة في مواجهاته الخارجية. فحين رفع الاتحاد السوفييتي كفه عن شرق أوروبا، قام بوش بغزو بنما واعتقال قائدها مانويل نورييغا في العام 1989.

ولكن قبلها قامت الحكومة الصينية بقمع مظاهرات ساحة «تيان ان من» السلمية، ولم يتحرك بوش إلا بالتنديد وتعليق اللقاءات مع المسؤولين الصينيين. إلا أنه أرسل مستشاره للأمن القومي برنت سكوكروفت لطمأنة بكين للعلاقات مع واشنطن.

وعندما اجتاح صدام حسين الكويت على حين غرة، وقف بوش بثبات أمام العدوان. وكان من الواضح أنه لم يكن يريد أن يمنح صدام فرصة للانسحاب أو التفاوض، بل أصر أن ينصاع صدام لقرارات مجلس الأمن دون حفظ ماء وجه ودون أي تنازل لتحقيق حل سلمي.

ويقول أحد المؤرخين والذي فحص كثيراً من الوثائق في تلك الفترة أن الرئيس بوش كان على استعداد للمغامرة بمستقبله السياسي ومواجهة عزله من قبل الكونغرس على ألا يقوم بشن حرب على العراق وتحرير الكويت.

وبعد نجاحه في تحرير الكويت، قفزت شعبية الرئيس إلى أعلى مستوى يمكن أن يصل إليه أي رئيس. وقد نجح أيضاً نجاحاً باهراً في إنهاء الحرب الباردة دون قطرة دم. واستطاع أن يتعامل مع سقوط الاتحاد السوفييتي بمهارة وحذق شديدين.

ولكن في النهاية لم تكن هذه النجاحات الخارجية تشفع له يوم الانتخابات. وقد قالها خصمه حينها، وصديقه لاحقاً، كلينتون «إنه الاقتصاد أيها الغشيم».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات