ثمن الكلام

في زمن «فيسبوك» و«تويتر» و«إنستغرام» وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي صار ثمن الكلام غالياً رغم أن كل هذه الوسائل «مجانية»! بالطبع فإن المقصود بالكلام هنا ما يتعلق بالشأن العام، أو بشؤون الآخرين وهو شأن عام هو الآخر ولكنه يخص أفراداً بعينهم.

في أزمنة سابقة لم يكن أي من هذا موجوداً، ومع ذلك فإن الحكمة الذائعة كانت أن «الملافظ سعد»، وأن «لسانك حصانك» يقودك إلى الطيب أو القبيح. في كل الأوقات كان للكلمة والقول ثمن، قد تشعل ناراً أو ثورة أو حرباً، وقد تذيع حباً وسماحة، هي الطريق للحب والزواج بقدر ما هي السبيل للكراهية والطلاق.

الجديد في الأمر أن كلام الإنسان أصبح متضخماً بحكم الوسائل التي تعمل على مدار الساعة، فالكلمة تقال، وتسمع، وتشاهد؛ كما أنه يجري تقاسمها مع الآخرين في التوّ واللحظة، ولها متوالية الانتشار باتساع الكون. مثل ذلك أعطي الإنسان قوة غير عادية عندما يرسل الكلمة، وانفعالاً عاطفياً ونفسياً كبيراً عندما يستقبلها. وباختصار صار التوازن ما بين العقل والغريزة لصالح هذه الأخيرة.

وعندما يحدث مثل هذا الخلل فإن الكلمة لا يصير ممكناً الاعتذار عنها بأن «القافية» حكمت، فالأغلب أنها كانت مشرطاً يجرح ويسيل دماً. لماذا نثير هذه المسألة الآن، لأن الخطر منها ليس بقليل، والمحتمل دائماً أنه يعرض المجتمع لأخطار بالغة، فالكلمات بخصوص موضوع ما سرعان ما تقسم الجماعة المصرية، وأحياناً العربية، إلى معسكرين ليس مهماً هوية كل منهما.

ولكن المهم أن الاستقطاب يصنع نزاعاً، والنزاع يصير عراكاً سرعان ما يندفع إلى المحاكم، فيصير ما يهم الناس جزءاً من السياسة في الدولة. المسألة قد تكون في جدية «تجديد الخطاب الديني»، وأحيانا أخرى قد تكون أقل شأناً لأنها تتعلق بحالة «فستان» ولكنها وبسرعة انتشار النار في الهشيم تثير قضايا وجودية حول علاقة الدولة بالدين، والدولة الدينية والعلمانية وهكذا أنواع من القضايا المصيرية.

حدثني صديقي أبو الفضل الإسناوي عن تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي في صعيد مصر، وكيف أنها تشعل ناراً من لا شيء تقريباً، ليس فقط من نوعية معارك تشجيع الأهلي والزمالك والمكايدة والنكاية بشأن من فاز ومن هزم، وإنما حول أصل الحكايات والأصول في القرى والمدن. العائلات تنزل بنفس العصبية والغريزة الكلامية التي تضع الجميع على حواف الصراع.

في معركة «الفستان» التي جرت مؤخراً، وستر الله فيها حينما تصالح الخلق، انتقلت المعركة فوراً إلى القضاء، وما كان حقاً اجتماعياً بالاستهجان والاستنكار، صار مسألة لتقرير المصير في الدولة، وكما أن لكل معركة أطرافها الأصليين، فإن هناك دائماً من يحاولون استغلالها لأغراض خاصة، فما كان خلافاً كلامياً حول حدود الرداء في مهرجان للسينما، فإنه فجأة أصبح صراعاً ما بين «العري» و«النقاب».

ولم يعد هناك خيار ثالث يقدمه المجتمع ولا تقدمه الدولة لأن الجماعة تعرف أنه لم يحدث تاريخياً أن قام العاري بعمليات انتحارية أو تفجير نفسه في المواصلات العامة. فإن تطبيق القاعدة الكلامية بأن العيار الذي لا يصيب غالباً ما يثير ضجيجاً وفرقعات تكفي وحدها لتدمير الغرض.

معضلة «ثمن الكلام» والمسؤولية الملقاة على كل أشكال التعبير ليست واقعة في مصر وحدها، بل أنها باتت معضلة عالمية بحق. والحقيقة أنه لا يوجد حل سهل لها.

وتقييد الحريات العامة وفي المقدمة منها حق التعبير ليس حلاً، والأرجح أن تقييده أو إغلاق المنصات الاجتماعية كما يحدث في بعض الدول يضاعف من سوءاتها، ويعمق من عدوانية الغريزة داخلها، ويدخلها في عوالم سرية يعشش فيها الشكوك والتطرف والعنف. الحل يوجد في المجتمع ذاته، وفي كل الأمور التي تديرها الدولة فإن الجميع يطالبون بضرورة إدارة «حوار مجتمعي» حول الموضوع.

فكيف عندما يخص الأمر المجتمع لا يدار مثل هذا الحوار. في حادثة الفستان انزعج المجتمع من حالة الاستقطاب التي جرت، فتدخل العقلاء فاعتذرت السيدة، وسحب المحامون القضية، وخرجت السجون والمحاكم من الموضوع.

الأصل في عصرنا أن التكنولوجيات الحديثة أعطت للإنسان قدرات لم تكن متاحة له من قبل، أصبح لكل إنسان صوت يطلقه على الدنيا، ونافذة ينظر من خلالها على العالم. الصوت والنظرة ليست مسلحة بما يكفي من المعلومات، ولا من الحقائق، ومن ثم فإن المساحة الكبيرة تحتكرها الغرائز التلقائية، والانفعالات الوقتية التي ترتاع من الفقر، ويصيبها الخضة مع الغني.

وبقدر ما ترتعد من الفشل فإنها تجد الصدمة في النجاح. هناك مؤسسات مهمتها في العالم البحث عن الحقيقة، وإظهارها؛ وتدفق المعلومات دائماً مفيد، والشفافية مقدمة للحكمة. الكلام في كل الأحوال له ثمن خيراً أو شراً.

 كاتب وخبير اقتصادي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات