شخصية العام الإيجابية

لم أشعر أنني أستحق لقب «شخصية العام الإيجابية» الذي منحتني إياه منظمة الإيجابية، أحد شركاء الأمم المتحدة، خصوصاً عندما قالت في تصريحها بأنني «من الكتاب البارزين الذي سخروا قلمهم لخدمة القضايا البناءة والإيجابية. والتنويرية التي تسعى للارتقاء بالإنسان. عبر كتبه وأبحاثه ومقالاته».

ولما تجمعت حولي كاميرات وسائل الإعلام في حفل التكريم قلت للجميع، وبكل صراحة، ما معناه بأن عدسات الكاميرات كان الأجدر بها أن توجه لملايين الناس ممن يعيشون بيننا ويتحلون بفكر نير وإيجابي، ينظرون بفضله إلى النصف الممتلئ من الكوب، ويتركون الجزء الفارغ لينشغل به المتشائمون والمثبطون والفارغون والمتراخون.

منطلقي من هذا الحديث، أن كلمة إيجابية ليست «كلاماً مرسلاً»، أو إنشائياً، أو محاولة لاسترضاء جهات رسمية، بل هي قناعة راسخة يمكن اكتسابها أو اعتناقها. والإيجابية علم يدرس في أعرق الجامعات، أظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن المرء حينما يتحدث ويتصرف بطريقة إيجابية فإنه يشيع أجواء صحية في محيطه.

وهناك ارتباط وثيق بين قراراتنا اليومية وبين النتائج التي نواجهها في نهاية المطاف. فمن يعتقد أنه ضحية مؤامرة قد يستسلم لأوهامه فلا يتقدم قيد أنملة. وهناك من يعلق تقاعسه على شماعة الغير. وعلى النقيض يعيش بيننا من يؤمن بأن المستقبل سيكون واعداً فلا يكاد يتوقف عن عمله الدؤوب. ولذا قيل من جد وجد.

وقد قلب علم النفس الإيجابي الطاولة على الاعتقاد الشائع بأن علم النفس (التقليدي) مرتبط بالتركيز على الاضطرابات النفسية. ولذا قال مؤسس علم النفس الإيجابي البروفيسور مارتن سيليغمان بأنه كان حينما يعرف نفسه في الطائرة أو في مكان عام كمتخصص في علم النفس يتهرب منه الناس ظناً بأنه يركز على اضطراباتهم.

غير أنه لما ذاع صيت علم النفس الإيجابي بعد عام 1998 «صار الناس يتوافدون إليه ويتحلقون حوله». وذلك بعد أن أظهر بأن في داخل كل منا قوة هائلة يمكن أن تحركه نحو أهدافٍ لم يكن ليحققها لولا ذلك التفكير التفاؤلي.

ولما جمع سيليغمان 100 مليون تغريدة في تويتر، وصنفها إلى مفردات سلبية وإيجابية ليقارنها بالمؤشرات العشرة الشهيرة بالتنبؤ بمخاطر الإصابة بأمراض القلب في نحو 1300 مقاطعة أميركية، عرض في خريطة ملونة مفاجأة. إذ أظهرت بأن ما يقال من سلبيات في تويتر يمكنه التنبؤ باحتمالات الإصابة بأمراض القلب بنسبة إحصائية أكبر من كل المؤشرات العشرة.

ولذا سمعت مؤسس علم النفس الإيجابي، 76 عاماً، يقول في ندوة حاشدة حضرتها، بأنه حتى نبث في نفوسنا جرعات إيجابية ونزيح شيئاً من مشاعر الكآبة يفضل أن يكتب كل فرد بعفوية في دفتر يومياته journal ثلاثة أمور إيجابية استمتع بها في يومه، مهما كانت بسيطة، مثل مذاق لذيذ لطبق ما تناوله، أو محاضرة ممتعة أو صديق استمع إليه، أو مكان ارتاده واستمتع به وغيرها.

إذ تبين علمياً أنه بعد ستة شهور سيرتفع بصورة ملحوظة شعوره بالرضا الحياتي وسوف تتقلص مشاعر الاكتئاب.

وكذلك الحال مع التشاؤم والتفاؤل اللذين صارا يقاسان بمعايير علمية محددة. فهما يؤثران بصورة ملموسة على أدائنا. وهو ما كشفه لنا سيليغمان في دراسة تبين فيها أن تشاؤم فئة من الموظفين في مؤسسة تجارية قد دفع نسبة أكبر منهم (مقارنة بالمتفائلين) إلى ترك العمل، بل وقلل التشاؤم معدل مبيعات هؤلاء مقارنة بالمتفائلين.

العجيب أيضاً أنه حينما سئل أكثر الناس سعادة عن أسباب سعادتهم تبين أنها لا تعود إلى الأكثر وجاهة أو جمالاً أو مالاً، وإنما هم الأكثر انغماساً في الحياة الاجتماعية، أي الاجتماعيين لا الانطوائيين أياً كانت أسباب انطوائيتهم.

كل ما حولنا يشير إلى أننا لن نخسر شيئاً إذا اعتنقنا الفكر الإيجابي. فلم يصل أحد إلى ضفة النجاح إلا بعبوره جسر الإيجابية والتفاؤل. ولذا كان من يستحق لقب «شخصية العام» هم ملايين الإيجابيين في العالم وليس كاتب هذه السطور.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات