هوة عميقة

ما يجري من غليان شعبي في فرنسا وبروز حركة احتجاجية جديدة باسم «السترات الصفراء» يوحي بفقدان الأحزاب والحركات السياسية التقليدية السيطرة على الشارع والقدرة على التجنيد والتوجيه، وهو ما يعكس شرخاً عميقاً بين ما يسمى الطبقة السياسية والمجتمع، فالحركة غير تابعة لمؤسسة حكومية أو سياسية محددة، وهي مجرد رمز، يعكس معاناة الطبقة الوسطى، لكنها وضعت مصير ولاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على المحك، وفتحت باب النقاشات على مصراعيه حول مستقبل فرنسا.

وأبانت الاحتجاجات عن أزمة في النظام السياسي الفرنسي لاحت مؤشراتها في النظام الاقتصادي للدولة.

مهما كان المخرج الذي سيؤول إليه تحرك السترات الصفراء، فإنه كشف عن هوة عميقة في فرنسا، بين فرنسا المدن الكبرى المرتاحة، وبين فرنسا التي تعاني وهي من الضواحي والمناطق الريفية. حيث إن الضرائب أثقلت كاهل المواطنين الفرنسيين، فيما يمنح النظام امتيازات واضحة لمصلحة الأثرياء، مع توجّه شديد نحو العولمة.

الاحتجاجات المستمرة كل يوم سبت للسترات الصفراء في عدد من المدن وخاصة عبر غلق الطرقات، تؤكد أن هذه الحركة الاحتجاجية الشعبية غير المسبوقة تدخل في مرحلة جديدة، وأصبحت تتجذر بعد أسبوع من بدء نشاطها الاحتجاجي على الميدان، ما يؤكد وجود مناورة غامضة تعمل على تصعيد الاحتجاج، ونقله إلى صدام دام تتصاعد وتيرته من أسبوع إلى آخر، وتحضير المجتمع الفرنسي للدخول في تمرد لن يؤثر على ماكرون فحسب، وإنما على استقرار فرنسا برمتها.

اختار المشاركون في الاحتجاجات ارتداء سترات صفراء تستعمل لتمييزهم، ليست لهذا اللون أي دلالات إيديولوجية أو سياسية، ولا يحمل المشاركون في الاحتجاجات عبر مختلف أنحاء فرنسا أي شعارات غير التنديد بزيادة الرسوم والسياسات المالية للحكومة، ولكن حرصهم على تصعيد الحركات الاحتجاجية بالرغم من استجابة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمعظم مطالبهم، وتقديم تنازلات يؤكد وجود أجندة خفية لضرب فرنسا في الصميم. ما يستدعي فتح حوار عميق وأن يبادر الرئيس ماكرون إلى حل هذه الأزمة الاجتماعية التي ارتدت طابعاً سياسياً بامتياز.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات