بوش الأب والنظام الأميركي الجديد

التغطية الإعلامية الواسعة في الولايات المتحدة لوفاة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب لم تتناول صفحات بالغة الأهمية. ففترة حكم بوش لم تكن فقط بداية لنظام عالمي جديد وإنما لنظام سياسي جديد داخل الولايات المتحدة.

فلأن بوش الأب شغل مناصب عدة ذات علاقة بسياسة بلاده الدولية، فقد تركزت التغطية على ذلك الجانب الخارجي.

فهو قبل ترشحه للرئاسة كان قد شغل منصب سفير بلاده لدى الصين، ومدير المخابرات المركزية فضلا عن توليه لمنصب نائب الرئيس طوال فترتي حكم ريغان. ثم انهار الاتحاد السوفيتي بينما بوش رئيساً لبلاده، فكانت إدارته المهندس الفعلي للنظام الدولي الذي تشكل بعد انتهاء الحرب الباردة.

ولأن قطاعاً واسعاً من الإعلام الأميركي، المقروء والمرئي، له انتقاداته لطريقة إدارة ترامب للعلاقات الدولية، فقد كان عنوان أغلب التغطية الإعلامية هو وصف بوش الأب بأنه كان «رجل دولة» من طراز فريد، أدار الدفة على الساحة الدولية باقتدار في مرحلة مهمة من تاريخ العالم.

المفارقة الجديرة بالتأمل هي أن ذلك التوصيف نفسه هو ما أدى لهزيمة بوش الأب في معركة إعادة انتخابه فلم يتول حكم بلاده سوى مدة واحدة، فضلاً عن أنه يغض الطرف عن مسألة لا تقل أهمية وهي أن فترة حكمه كانت إيذاناً بتحول راديكالي في حزبه، الحزب الجمهوري، أسهم فيه هو شخصياً، على نحو صار معه الحزب الجمهوري اليوم ليس هو حزب بوش الأب على أي نحو.

فبوش الأب هو آخر رئيس جمهوري يمثل الوسط في حزبه لأسباب عدة. ففي حملته الانتخابية الأولى لمنصب الرئاسة عام 1988، كان قد أطلق من الشعارات واستخدم من الاستراتيجيات ما أسهم بدرجة محورية في ذلك التحول.

ففي تلك الانتخابات، التي نافسه فيها الديمقراطي مايكل دوكاكيس، لم يتورع بوش الأب عن استخدام المسألة العرقية للاحتفاظ بالمحافظين البيض في الجنوب، الذين كان رونالد ريغان قد كرس انتقالهم للتصويت للحزب الجمهوري.

فحملة بوش أنتجت إعلاناً تلفزيونياً استخدم اسم شاب أسود يدعى «ويلي هورتون» أدين وقضى فترة عقوبة ليعود لارتكاب الجريمة بعدها. وكان هدف الإعلان إدانة سياسات كان دوكاكيس قد اتبعها كحاكم لولاية ماساتشوستس.

وقد صار الإعلان التلفزيوني شهيراً، منذ ذلك التاريخ، باعتباره نموذجاً لتأليب البيض المحافظين على الأقليات عموماً والسود على وجه التحديد. ورغم أن نيكسون كان أول من استخدم تلك الاستراتيجية البائسة إلا أن بوش كرس استخدامها حتى صارت في القلب من حملات الجمهوريين حتى اليوم.

وفي الانتخابات نفسها، تعهد بوش صراحة بعدم فرض ضرائب جديدة. لكن الأوضاع الاقتصادية، أثناء فترة حكمه، تغيرت على نحو اضطره اضطراراً لرفع الضرائب.

ولم يكن حنث بوش بذلك التعهد مسؤولاً فقط عن فشله في الحصول على ولاية ثانية، ضمن أسباب أخرى، وإنما كان جوهرياً في انهيار تركيبة الحزب الجمهوري وبزوغ تركيبة جديدة هي التي صارت حاكمة فيما بعد وأسهمت بشكل معتبر في دعم ذلك الحزب لترامب. فحنث بوش بذلك التعهد جعل مهمة يمين الحزب أكثر سهولة بكثير في تهميش تيار الوسط الذي مثله بوش.

وكانت هزيمته في انتخابات 1992 أمام بيل كلينتون إيذاناً بهيمنة تيار اليمين الجمهوري بقطاعاته المختلفة على مقدرات الحزب الجمهوري.

وهي الهيمنة التي برزت نتائجها الأولى في تولي نيوت غينغريتش رئاسة مجلس النواب في 1994، ثم هزيمة روبرت دول، الذي يمثل هو الآخر تيار الوسط الجمهوري، في انتخابات الرئاسة لعام 1996.

وقد شهد ذلك العام الانتخابي معركة ضارية حول روح الحزب الجمهوري انتهت بتسديد الضربة القاضية لتيار الوسط وهيمنة اليمين بالكامل وإلى غير رجعة على مقدرات الحزب.

وقد نجح نيوت غينغريتش في إحداث تحول جوهري في أداء الحزب الجمهوري، يقوم على تبني تكتيكات الصدام والمواجهة مع الحزب الديمقراطي بدلاً من السعي للتوصل لحلول وسط توفيقية كما كان الحال سابقاً.

فصار الاستقطاب السياسي هو عنوان الساحة السياسية، حتى بعد خروج غينغريتش وفريقه من على الساحة، ودخل قاموس الحياة السياسية الأميركية لغة فجة وتصادمية، كانت غريبة وقتها على المؤسسات السياسية خصوصاً الكونغرس.

وقد مهدت كل تلك التحولات الكبرى لبروز دونالد ترامب على خريطة الحزب الجمهوري والساحة الأميركية عموماً.

فأداء ترامب، بدءاً من الأقليات ومروراً بتكتيكات الصدام مع المؤسسات السياسية ووصولاً للقاموس السياسي يمثل في جوهره امتداداً لكل ما كان يجري داخل الحزب الجمهوري منذ فترة زمنية ليست بقصيرة.

كل ما في الأمر أن ترامب أحدث في كل منها نقلة جعلتها أكثر صراحة ووضوحاً عن ذي قبل.

بعبارة أخرى، فإن الفترة القصيرة التي حكم فيها بوش الأب الولايات المتحدة لم تكن فقط إيذاناً بنظام دولي جديد وإنما بنظام سياسي أميركي جديد يختلف عن كل ما سبقه.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات