استثنائية الثاني من ديسمبر

احتفلت دولة الإمارات العربية المتحدة بعيد ميلادها السابع والأربعين في 2 من ديسمبر 2018. وتعتبر الإمارات التجربة الاتحادية الناجحة في الوطن العربي، رغم أنها لم تكن التجربة الأولى ولا الأخيرة.

ولكن نجاح هذا الاتحاد المبارك استثنائي بكل المقاييس في تاريخنا العربي المعاصر.

وقد ولد الاتحاد في بيئة تسودها تهديدات وتحديات جمّة. ولعل هذه التهديدات والتحديات قوّت من عزيمة الآباء المؤسسين لإنجاز المشروع الاتحادي.

ولا شك في أن المد القومي العربي أعطى شرعية كبيرة لكثير من محاولات الوحدة بين الدول العربية، بما فيها الاتحاد الإماراتي.

ولا غرو أن الاتحاد الإماراتي بدا بحوار بين تسع إمارات خليجية، وهي الإمارات السبع المكوّنة لدولة الإمارات زائد البحرين وقطر. وانتهت كما هو معروف بالاتحاد السباعي.

وقد دعا دستور الإمارات العربية المتحدة الدول العربية من دون استثناء إلى الانضمام إلى الاتحاد الجديد. وأعلنت المادة الأولى للدستور، أنه «يجوز لأي قطر عربي مستقل أن ينضم إلى الاتحاد، متى وافق المجلس الأعلى للاتحاد على ذلك بإجماع الآراء».

وقد سبقت تجارب اتحادية عربية لم تكلل بالنجاح. فالتجربة الاتحادية الليبية، على سبيل المثال، والتي تشكلت بعد الاستقلال في العام 1951، بين ولاية طرابلس وبرقة وفزان تحت اسم المملكة الليبية المتحدة حتى 1963، وانتهى الاتحاد الفيدرالي وأصبحت ليبيا دولة مندمجة بالكامل تحت اسم المملكة الليبية.

وما لبثت أن أطيح بالملك في انقلاب عسكري في 1969، كبعض الدول العربية والأفريقية. وتعاني ليبيا اليوم الأمرين من جهة الاحتراب الأهلي وسيطرة الميليشيات والانشقاقات الجهوية.

وقام اتحاد الجنوب العربي في العام 1959، وكان يضم في البداية ست سلطنات وإمارات، ومن ثم انضم إليهم 9 سلطنات أخرى ومستعمرة عدن لتصل إلى 16 سلطنة ومشيخة.

واستمر الاتحاد تحت رعاية الاستعمار البريطاني، ولكن حركة التحرير الوطني حينها أدى إلى جلاء بريطانيا وسقوط هذا الاتحاد وقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية في 1967.

ولم يحالف الحظ الاتحادات الأخرى التي قامت بين الدول العربية.

ففي العام 1958 قامت الوحدة بين مصر وسوريا تحت مسمى الجمهورية العربية المتحدة. وانضم لها إمام اليمن في 1959 لتصبح اتحاد الدول العربية.

ورغم شعبية الوحدة، إلا أن النخب في كلا البلدين لم يستطيعا توفيق المصالح فانفتقت عروة الوحدة بينهما في العام 1961.

ثم كانت الوحدة اليمنية والتي تأسست في العام 1990 بين الجنوب والشمال. وبلا شك حظيت الوحدة بدعم شعبي كبير، وجاء تتويجاً لآمال وطموحات الشعب اليمني شمالاً وجنوباً.

ولكن التاريخ المنفصل بين الشطرين كان له تأثير سلبي على تطور الوحدة. فاليمن الجنوبي تشكل في ظل الاستعمار البريطاني وتشكلت له هوية وثقافة سياسية خاصة ومنفصلة عن الشمال.

وكان الأخير يرزح تحت نظام الإمامة، والذي أطبق على اليمن عزلة كبيرة لم ينفك منها إلا مع سقوط نظام الإمامة.

ولعل هذا السبب جعل الانسجام بين الشطرين معدوماً، بل ومستحيلاً، رغم أن الوحدة كانت مطلباً شعبياً. ودخل الشطران الجنوبي والشمالي في حرب ضروس في العام 1994. ومن يومها واليمن يعاني من أزمات سياسية وكوارث إنسانية.

وبعد الاستعراض المختصر للتاريخ العربي المعاصر وتجاربه الاتحادية والوحدوية، يبرز مغزى الاتحاد الإماراتي، والذي لم يكلل بالنجاح فحسب، ولكن حافظ على وحدته دون إراقة قطرة دم. وزيادة على النجاح الباهر لمسيرة الاتحاد، فإن دولة الإمارات شهدت نهضة حقيقية في زمن قصير وضعها في مصاف الدول المتقدمة في كثير من المجالات.

وهناك عدة أسباب سهّلت نجاح التجربة الاتحادية الإماراتية، عدا عن مثيلاتها في العالم العربي.

كانت الإمارات المختلفة ضمن مجلس حكام الإمارات المتصالحة، والذي أنشئ في العام 1952، قبل قيام الاتحاد، مما سهّل عملية التحاور فيما بين الحكام عندما جاء التفاوض حول قيام الاتحاد.

وقد أوجد هذا المجلس كثيراً من الرأسمال السياسي، والذي أثبت فاعليته في تكوين الاتحاد وديمومته.

وقد تأسست أيضاً مؤسسات اتحادية أخرى مثل مكتب التطوير، والذي كان منسقاً ومنفذاً لكثير من المساعدات الإنمائية. وأيضاً تأسست مؤسسة عسكرية عرفت بكشافة ساحل عمان، أو قوة ساحل عمان، والتي كان لها أثر بالغ في تأسيس نواة مهمة لقيام جيش وطني يحمي الاتحاد ومكتسباته.

ومن المهم أن نتذكر دور الآباء المؤسسين، بقيادة الزعيم الخالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والذين لولاهم لم تقم للاتحاد قائمة. وكان الآباء المؤسسون يعون اللحظة التاريخية والأهمية الاستراتيجية لقيام دولة الاتحاد للدفاع عن مكونات هذا الاتحاد.

فالدول الصغيرة في منطقة يتكالب عليها الكبار العالميين والإقليميين لن يكون لها مكان إلا بتظافر الجميع، وبناء صرح شامخ يمثل طموحات شعب المنطقة وقادتها.

وهذا ما حصل في الثاني من ديسمبر 1971 حين بزغ نجم الدولة الفتية في سماء المنطقة. وحينها تشكك الكثير في نجاح التجربة الاتحادية، ولكن الأيام أثبتت بشكل قاطع نجاعة التجربة، بل أصبحت النموذج الذي يحتذى بها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات