في المحاورة والمهاوشة وما بينهما - البيان

في المحاورة والمهاوشة وما بينهما

تبدو الحياة العربية الراهنة حياة اختلاف وتضاد وصراع، وخاصة في الحقل السياسي والأيديولوجي. فلقد امتلأت الساحة بالأيديولوجيات التي ينفي بعضها بعضاً، وانتصبت الأيديولوجيا اللاهوتية التعصبية، أيديولوجيا نافية لما عداها من أفكار، بل وراحت تعادي المجتمعات والدول بوصفها مجتمعات حداثة متناقضة مع وعيهم اللاهوتي، فضلاً عن استخدام القوة العنفية لتحقيق أغراضها.

في حال كهذه انتفى من حقل وعيها مفهوم المحاورة والمناقشة، وعولت على المجادلة والمهارشة والمهاوشة.

أعرف المحاورة بأنها تبادل الرأي بين مختلفين في قضية ذات اهتمام مشترك. وللمحاورة شرطان لا بد من توافرهما: المعرفة والاعتراف. والصورة المثلى المعبرة عن المحاورة محاورات أفلاطون.

فهناك اختلاف حول تعريف المفهوم بين شخوصٍ يعرفون ويختلفون ويعترفون ببعضهم بعضاً، ليصلوا في النهاية إلى التعريف الذي ينجب التوافق بينهم.

وتواضع أهل الرأي على أن الحوار هو طريقة عقلية سلمية لممارسة حق الاختلاف بين المتحاورين عوضاً عن العنف والحرب والصراع. ولهذا يتحدث المتسامحون عن حوار الأديان والحوار بين الحضارات والحوار الوطني وهكذا.

أما المناقشة فتقوم بين جماعة ذات اهتمام مشترك، أو في حقل عمل واحد أو من أهل الاختصاص المشترك، للتأمل في مسألة ما أو مشكلة وتقليب الرأي فيها للوصول إلى نهاية محمودة، أو إلى رأي مشترك في حل المسألة.

والاختلاف في المناقشة ليس موقفاً مسبقاً، بل لاحقاً. كنقاش مشكلة السكن والمياه والخطة الخمسية وسبل تطوير هذا الجانب أو ذاك من جوانب الحياة الثقافية والاقتصادية الخ.

فيما المجادلة فهي معركة بين طرفين مختلفين أو أكثر خالية من الاعتراف. وينفي فيها كل طرف من طرفي المجادلة أو أطرافها الآخر. ولأنها معركة بين الأقوال والمعتقدات فإن مقصودها الغلبة.

وغالباً ما تقوم المجادلة بين المختلفين أيديولوجياً وسياسياً ودينياً، فليس بين المتجادلين جسر يصل بينهم. ولهذا ذم ميشيل فوكو المجادلة رافضاً الدخول طرفاً فيها. فالمجادلة تنتج المحارشة، والمحارشة استفزاز الآخر وحمله على الغضب.

والمجادلة إذا اشتد أوارها، تحولت إلى مهارشة. والمهارشة صراع الكلاب الذي يقوم على النباح والعض، ويُنسب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قوله: يتهارشون تهارش الكلاب. وقد ذكره ابن مسعود. وإذا وقعت المهارشة بين الناس أدت إلى المهاوشة وإذا ما تهاوش الناس اختلطوا واضطربوا ووقعت بينهم الفتنة.

والفتنة أشد من القتل.

للحكم، الآن، على الشعوب والأمم والمجتمعات والجماعات والنخب، لا يكون إلا بطريقة التعامل مع خلافاتهم حول حاضرهم ومستقبلهم. فتوسل المحاورات والمناقشات طريقة في التعايش والتعامل مع الاختلاف يعنى بأن المجتمع في حالة صحية وتقدم عقلي وثقافي انتصرت فيه قيمة التسامح. أما إذا كانت الجماعات جماعات مجادلة ومهارشة ومهاوشة فاعلم بأنها جماعات متخلفة وعدوانية وقاتلة.

ولهذا فإن الجماعات الأصولية المتعصبة كالحركات والأحزاب الإسلاموية جميعها هي جماعات مجادلة ومهارشة ومهاوشة، مدمرة للمجتمع وللحياة، ومثلها الجماعات العقائدية كلها. فالمتأمل في سلوك الحوثيين والأحزاب المؤمنة بولاية الفقيه، وكل الأحزاب والحركات التي خرجت من معطف الأخوان والحاكمية لله، يدرك السلوك الذي تحدثت عنه. كما أن المتأمل للسلطات الطاغوتية العسكرتارية التي حكمت بأيديولوجيات ظاهرها حداثوي يدرك النتائج المدمرة لمهارشاتها ومهاوشاتها وجدالها العقيم.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات