حروب تفكك الإمبراطورية السوفيتية المتأخرة - البيان

تحليل

حروب تفكك الإمبراطورية السوفيتية المتأخرة

اشتبكت سفن الأسطولين الروسي والأوكراني في بحر أزوف الواقع في نطاق البحر الأسود، وانتهى الصدام باحتجاز ثلاث سفن أوكرانية وتوقيف أطقمها. طلبت الحكومة الأوكرانية من حلفائها الغربيين توقيع عقوبات جديدة ضد روسيا، وطالبتهم أيضاً بنشر الأساطيل الغربية في بحر أزوف شبه المغلق، لكن الولايات المتحدة والقوى الأوروبية اكتفوا بالمطالبة بضبط النفس وتجنب التصعيد. قبل هذا الحدث بأيام قليلة كان الانفصاليون المناصرون لروسيا قد فازوا في الانتخابات التي تم تنظيمها في إقليمي دونيتسكولوجانسك الواقعين على الحدود الروسية في شرق أوكرانيا. وبينما رفضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الاعتراف بشرعية هذه الانتخابات، فإنهم امتنعوا عن اتخاذ أي إجراءات عقابية إضافية ضد الانفصاليين أو ضد روسيا التي تناصرهم.

ردود الفعل الغربية على تطورات الأزمة الأوكرانية، تشير إلى أن الدول الغربية هيئت نفسها لتقبل التغييرات التي قامت بها روسيا في هذا البلد، منذ قامت بضم شبه جزيرة القرم عام 2014. أصل المسألة هو أن دولة أوكرانيا قد استقلت عام 1991 بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، فتحولت الحدود التي غلب غليها الطابع الإداري داخل دولة الاتحاد السوفيتي إلى حدود سياسية. قبلت روسيا الوضع الجديد بافتراض أن أوكرانيا ستظل حليفة لروسيا، أو أنها على الأقل لن تنحاز إلى جانب خصوم روسيا الأميركيين والأوربيين الغربيين. وعلى هذا لم تثر روسيا مسألة انتقال تبعية شبه جزيرة القرم من روسيا إلى أوكرانيا عام 1954، كما أنها لم تثر قضايا تتعلق بالأقاليم الشرقية في أوكرانيا والتي يسكنها أغلبية من الروس عرقاً وثقافة. لكن مع تحول السياسة الأوكرانية، ومحاولتها الخروج من الفلك الروسي، فإن الروس لم يعودوا مستعدين لقبول استمرار الأوضاع القائمة.

ما نشاهده من توتر بين روسيا وأوكرانيا هو أحد المظاهر المتأخرة لانهيار الإمبراطورية السوفيتية /‏ الروسية. فما نشهده في روسيا ومحيطها حالياً هو حرب تفكك الإمبراطورية الروسية التي لم تحدث دفعة واحدة في لحظة الانهيار والتفكك الأولى قبل ربع قرن. إنها الحرب التي تحدث متأخرة عن وقتها بعدة سنوات، والتي تتم على مراحل في شكل عدة حروب صغيرة لكل منها عنوانها الخاص، فمرة هي حرب الشيشان، ومرة هي حرب التدخل في جورجيا، ومرة ثالثة هي عملية ضم شبه جزيرة القرم، ومازال الباب مفتوحاً لحروب صغيرة أخرى على الطريق لخلق نظام إقليمي قومي جديد في روسيا وجوارها.

لقد انتهى عصر الإمبراطوريات منذ زمن طويل، وكانت الحرب العالمية الأولى هي المعركة الفاصلة في حياة الإمبراطوريات، أي في حياة الدول الكبرى متعددة القوميات والأعراق. ففي الحرب العالمية الأولى انهارت الإمبراطورية العثمانية والنمساوية، وخرجت من أحشاء كل منهما العشرات من الدول الجديدة المستقلة. وحدها الإمبراطورية الروسية استمرت في البقاء طوال السبعين عاماً التالية. حدث هذا بسبب الدماء الجديدة التي ضختها الثورة الشيوعية في شرايين الإمبراطورية.

تجديد الإمبراطورية الروسية على يد الحكم الشيوعي مكن الإمبراطورية الروسية من البقاء فيما وراء العمر الافتراضي للإمبراطوريات. لكن بحلول الثمانينات كانت دماء الإمبراطورية السوفيتية/‏ الروسية قد جفت في الشرايين، وكان على الإمبراطورية مواجهة المصير الذي واجهته من قبل كل الإمبراطوريات.

تفككك الإمبراطورية الروسية لم يكن فقط متأخراً، وإنما كان أيضاً سلمياً، فعندما حان وقت الانهيار أعلنت الأقاليم المختلفة المكونة للإمبراطورية السوفيتية/‏ الروسية استقلالها دون أن تقابل بأي مقاومة من جانب الإمبراطورية التي كانت قد فقدت أي قدرة على الفعل دفاعاً عن بقائها. التفكك السلمي للإمبراطورية الروسية هو الاستثناء الحقيقي، فليس هكذا تتفكك الإمبراطوريات، فطبقاً للخبرات السابقة في تفكك الإمبراطوريات فإنّ الحرب كانت هي الفعل المصاحب لسقوط الإمبراطورية، حرب يشنها دعاة الاستقلال من سكان الأقاليم، وحرب تشنها الإمبراطورية العجوز للحفاظ على بقائها، وهو ما لم يحدث في حالة الإمبراطورية الروسية.

السقوط السلمي للإمبراطورية الروسية أدهش العالم وأثار إعجابه، غير أنّ هذا السقوط السلمي نفسه خلف من المشكلات والقضايا المعلقة الكثير، وهي القضايا التي مازال على روسيا وتوابعها السابقة أن تتعامل معها. لقد تحولت الحدود الإدارية للأقاليم السوفيتية بين عشية وضحاها إلى حدود سياسية، ووجد الكثير من الناس أنفسهم يحملون جنسيات دول لم يختاروها ولا تربطهم بها صلة.

تجاوز هذه الأوضاع هو ما حدث خلال الحروب التي صاحبت عملية سقوط الإمبراطوريات الكبرى. فحدود الدول الناشئة لم تتحدد من خلال التحول البسيط للحدود الإدارية داخل الإمبراطورية إلى حدود سياسية للدول الجديدة، وإنما جرت عملية إعادة رسم الحدود لتعكس ميزان القوى الجديد والوقائع القائمة على الأرض، ولخلق درجة أعلى من التطابق بين ولاءات السكان وهوياتهم من ناحية، وهوية السلطات السياسية الناشئة من ناحية أخرى.

أما عندما لم تتطابق الحدود الجديدة مع هويات السكان وولاءاتهم، فقد جرت عمليات تبادل سكاني، كانت أحياناً واسعة النطاق وعنيفة لدرجة صادمة، ففي نهاية الصراع بين تركيا واليونان، والذي كان في نفس الوقت آخر حروب تفكك الإمبراطورية العثمانية، انتقل مليونان من السكان عبر حدود البلدين، ونتيجة للصراع الذي نشب مع انهيار الإمبراطورية البريطانية في شبه القارة الهندية، انتقل اثنى عشر ونصف المليون من السكان عبر حدود دولتي الهند وباكستان اللتين تكونتا مع انهيار الحكم الإمبراطوري، كل ذلك بهدف خلق واقع جديد تحقق فيه الدول الخارجة من الإمبراطورية درجة أكبر من الانسجام والوحدة الداخلية.

هذا هو مغزى ما يحدث بين روسيا وجيرانها اليوم، والذي فيه معالجة لمشكلات تخلفت عن الماضي أكثر مما فيه من مخططات للتوسع الروسي. ويبدو أن دول الغرب قد أصبحت ميالة لتقبل هذه التطورات والتعايش معها.

*كاتب ومحلل سياسي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات