القراءة.. الفعل المحيّر! - البيان

القراءة.. الفعل المحيّر!

القراءة مثل الجَمَال تتفاوت إجابات أسبابه. ولو سألت القرّاء النهمين عن فوائدها ستزداد حيرة وربما تشتتاً. حتى الجاحظ نفسه «شهيد الكتب» الذي قيل إنه مات تحت كومة كتب، قد وضع كل شيء تقريباً في فضل القراءة. وذلك عندما قال: إن «الكتاب إن نظرت فيه، أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوّد بيانك، وفخم ألفاظك، وبجَّح نفسك، وعمّر صدرك، ومنحك تعظيم العوام، وصداقة الملوك».

غير أن فريقاً من الأدباء يقول: نحن نقرأ لنستمتع، وبعضهم يعتبر القراءة زاداً لمزيد من الإبداع. أما نحن من نعيش في عالم الماديات والعلوم، فلا تكفينا هذه الإجابة حتى نصل إلى كلام أدق لفعل نمارسه بصورة يومية ولا نكاد نجد إجابة علمية.

الزميل د.ساجد العبدلي المتخصص في القراءة ومهاراتها حمل عنا عناء التفكير فوضع قائمة كبيرة للدراسات العلمية الرصينة التي كشفت ماذا تصنع القراءة في أدمغتنا وشخصياتنا. فمن هذه الأبحاث ما اكتشفه علماء في جامعة إدنبرة وكلية كينجز لندن، في دراسة نشرت عام 2014 في مجلة «جمعية تطور الطفل» البريطانية SRCDJ .

حيث تبين في اختبارات أجريت على التوائم لمدة عشر سنوات أن الشقيق الذي تخطى شقيقه بكمية القراءة قد تفوق بصورة ملحوظة في اختبارات الذكاء العقلي، وتفوق أيضا في اختبارات الذكاء (غير اللفظية) كالمنطق والاستنتاج. هذه النتيجة جعلتني أجد إجابة في أسباب ميل القراء النهمين للموضوعية مقارنة بالعوام الذين تحرك بعضهم عواطفهم الجياشة.

والكتاب يستطيع أن يضرب عدوه اللدود، التلفاز، بالضربة القاضية حينما يتصارعان في حلبة المعرفة. إذ كشف لنا باحثون عام 2001 بأن منسوب المعرفة العامة يزيد بمقدار ما نقرأ. غير أن اللافت في هذه الدراسة التي نشرت في دورية «التوجيه المباشر» JDI تتمثل في أن من بنوا معرفتهم من خلال القراءة كان لديهم إدراك أعمق وأدق للعالم من حولهم مقارنة بأولئك الذين بنوا معرفتهم من مشاهدة التلفزيون، بل في الواقع، تناسبت مشاهدة التلفزيون عكسيا مع ازدياد المعرفة.

وحتى ‏لا نتحامل ‏على أدبائنا فإن إبداعاتهم تريح المزاج. إذ يحسّن الأدب عمل العقل الذي يعتبره علماء النفس عاملاً حيوياً في بناء علاقات إنسانية ناجحة. وهذه القصص والروايات تجنح بنا بعيدا عن ضغوطات الحياة لما يعمله الخيال في ذهن القارئ، وفق بحث نشر عام 2013.

القراءة أمر محير لأنه فعل واحد لكنه يأتي بدوافع ونتائج مختلفة. ولا يبدو أننا سنجد إجابة محددة لفضل القراءة، لكن يكفيها شرف أن "اقرأ" كانت أول كلمة نزلت في آخر الكتب السماوية.

والعجيب أن الجاحظ نفسه لم يقدم لنا سبباً لعدم اكتراث كبار المسؤولين في عصرنا بذلك المثقف الذي ‏أفنى جل حياته في القراءة والتعلم ليكون نبراساً لمجتمعه. وما لا يدركه البعض أن المثقف يحمل، بطبيعة الحال، رأياً مغايراً للعامة، فهو يؤمن بأن التنوع جزء أساسي من جمال باقات الزهور. وما آراؤنا المتنوعة إلا تجسيد صحي لروعة الاختلاف مهما كان صارخاً.

* كاتب كويتي

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات