عندما تدمر نفسك - البيان

عندما تدمر نفسك

أسوأ أعدائك هو جهازك العصبي؛ هكذا يصف الكاتب البريطاني جورج أورويل في روايته 1984 تلك الحالة التي تكون فيها أنت العدو اللدود لنفسك؛ حينما تخرج عن سيطرة نفسك فتدمر شيئاً جميلاً من حولك، أو تنتقم من شيء يزعجك بطريقة تودي بك إلى التهلكة، هذه اللحظة التي يكون فيها «جهازك العصبي» هو المحرك الأساسي لتصرفاتك وأقوالك وانفعالاتك.

لم يخطئ جورج أورويل عندما وصف الجهاز العصبي بأنه عدوك اللدود وأسوأ أعدائك، فبلحظة من لحظات سرده لروايته 1984 كاد بطل الرواية «ونستون سميث» أن يحطم رأس الفتاة التي أصبحت فيما بعد معشوقته وشريكة جنونه وتمرده، فلو لم يتمالك نفسه لحطم رأسها وزج به في السجن، وقد تكررت مثل هذه الحادثة في العديد من المواقف في الرواية ليؤكد أورويل وصفه للجهاز العصبي؛ ولم يخطئ بذلك أبداً.

كم من القصص التي سمعنا عنها؛ تلك الجرائم البشعة بحق أقرب الناس، أو تلك التصرفات التي تنهي حياة أسرة جميلة، أو صداقة رائعة، أو حتى وظيفة مستمتع بها وتحصد نجاحاتها، ولو أمعنا النظر بالمسبب لكل هذه الحالات سنجد أن سببها الانفعال الزائد.

والخروج عن ضبط النفس، وفقدان السيطرة على الذات، فالغضب كالقنبلة عندما تنفجر لا تميز بين العدو والصديق، بين الخطأ والصواب، وبسبب هذه الحالة الجنونية يرقد أبرياء تحت التراب، ويجلس خلف القضبان من هم أرق من النسمة، ولكن حوّلهم جهازهم العصبي لمجرمين أشد فتكاً من أفراد العصابات فكما يقال «اتقِ شر الحليم إذا غضب».

من خلال عملي في ميدان المحاماة، وقربي من حالات كثيرة من الطلاق أكاد أجزم أن أغلبها جاءت بسبب لحظة غضب ندم الطرفان بعدها، وتوالت نوبات الغضب على كل من الطرفين فراح أحدهما يصرخ والثاني يضرب، الأول يكسر والثاني يدمر، وعندما يهدآن يجدان أنه خلافهما لم يكن يوماً إلا نوبة من فقدان السيطرة على الذات جعلتهما يقفان أمام المحاكم.

إن الاهتمام بجهازنا العصبي أمر مهم لا يقل أهمية عن الاهتمام بسلامة أي جزء من جسدنا، فتأثيره المباشر وغير المباشر هو من يحدد مسار حياتنا، وللأسف مجتمعاتنا العربية لديها خوف أو هاجس أو حتى تشعر بالعيب من الاعتراف أنها بحاجة لإفراغ شحنات جهازنا العصبي أو حتى معالجته إن تطلب الأمر، فمجتمعاتنا العربية من أقل المجتمعات في العالم زيارة للطبيب النفسي.

بل بمفهومنا القاصر المغلوط أن من يذهب للطبيب النفسي ما هو إلا مجنون، وهذا اعتقاد خاطئ جداً، فأحياناً كثيرة تواجهنا مصاعب الحياة وتشد أوزارها لدرجة تتطلب فيها تدخل المختصين في تفريغ النفس من الشحنات السلبية، وإعادة شحنها بشحنات إيجابية محفزة تستقيم معها الأمور بدلاً من انحدارها يوماً بعد يوم لتصل بنا إلى حال لا يحمد عقباه.

الصحة النفسية مفهوم غائب عن حياتنا، فنحن كلما أرهقتنا الحياة وأحسسنا بصداع في الرأس تسارعنا لتناول حبات المسكن و«البندول» لتزيل عنا هذه الآلام، وفي المقابل لم نفكر يوماً أن نذهب إلى الأماكن المخصصة لتفريغ شحنات الغضب كمراكز التكسير .

والتي يسمح بها أن تكسر مجموعة من الأواني والكاسات الزجاجية لتخرج من بعدها فارغاً من أي مخزون غضب تجمع في نفسك يوماً بعد يوم، أو حتى الخروج في نزهة دون قواعد، نزهة إلى المجهول دون أي ترتيبات نجعلها بمثابة فسحة نفسية تعيد لنا قوتنا، أو حتى ممارسة نوع من أنواع الرياضة نفرغ فيها طاقاتنا المكبوتة وننفس عن غضبنا بشيء يعود بالنفع على حياتنا.

في مجتمعاتنا نحن بحاجة إلى إزالة المفاهيم المغلوطة عن الصحة النفسية والطبيب النفسي وكل ما هو متعلق بالنفس، فالانفعالات والتصرفات وردة الفعل تجاه أي شيء، أو حتى قدرتنا على اتخاذ القرارات الصحيحة والسلوك بمسلك النجاح؛ كل هذا يتطلب صحة نفسية قبل الصحة الجسدية، فالصحة النفسية هي الأساس لصحة أجسادنا، فمهما حافظنا على أعضائنا من التلف إلا أن هذا لا يفيد أبداً ما دام جهازنا العصبي متوتراً أو قلقاً.

جهازنا العصبي هو عدونا اللدود وهو صديقنا الحميم ونحن من نقرر كيف يكون، ولنا في هذه الحياة أساليب كثيرة نستخدمها ونفعلها لتعيد لنا نشاطنا وتفرغ شحناتنا السلبية «أولاً بأول» قبل أن تحصل الكارثة ونندم على تصرفات أو أقوال تجعلنا نفقد الكثير من الأمور التي نحبها ونريدها في حياتنا.

* كاتب وإعلامي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات