هذا والله أعلم - البيان

هذا والله أعلم

كنت إلى وقت قريب أعتقد أننا نحن العرب الوحيدون الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة، حتى اطلعت مؤخراً على نتائج دراسة قام بها علماء للبحث في التاريخ الطبيعي لنظريات المؤامرة، فاكتشفت أن نظرية المؤامرة عالمية، وأن العرب بريئون من هذه التهمة التي كادت تلتصق بهم وحدهم.

فقد وجدت الدراسة أن 60 في المئة من البريطانيين يؤمنون بنظرية واحدة على الأقل من نظريات المؤامرة، سواء في الطريقة التي تُحكم بها بلدهم أو صحة المعلومات التي تُقدم إليهم. وأظهرت الدراسة أن الذين صوّتوا مع «بريكسيت» أكثر ميلًا بكثير إلى تصديق نظريات المؤامرة من الذين صوّتوا ضده.

كما يعتقد نحو نصف مؤيدي «بريكسيت» أن الحكومة تتعمد إخفاء الحقيقة عن عدد المهاجرين الذين يعيشون في بريطانيا، مقابل 14 في المئة من مؤيدي البقاء. ويعتقد 31 في المئة من مؤيدي «بريكسيت» أن هجرة المسلمين جزء من مؤامرة أوسع لجعل المسلمين غالبية في بريطانيا.

وتشير صحيفة «الغارديان» البريطانية، التي نشرت نتائج الدراسة، إلى أن هذا الإعتقاد يرتبط بنظرية المؤامرة التي روّجتها أوساط اليمين المتطرف في فرنسا. في المقابل فإن 6 في المئة فقط من مؤيدي البقاء يعتقدون ذلك.

ومن نتائج الدراسة أيضا أن 15 في المئة من مؤيدي «بريكسيت» و11 في المئة من مؤيدي البقاء يعتقدون أنه أيًا يكن من يتسلم مقاليد الحكم فإن العالم تديره عصبة عالمية من الأشخاص تتحكم بالأحداث فيما بينها.

وكانت أدنى نسبة من المؤمنين بنظريات المؤامرة في السويد، حيث يؤمن 52 في المئة ممن استطلع الباحثون آراءهم بنظرية واحدة أو أكثر من نظريات المؤامرة، بالمقارنة مع 85 في المئة من المجريين. وفي الولايات المتحدة بلغت نسبة المؤمنين بنظريات المؤامرة 64 في المئة، وفي فرنسا 76 في المئة.

هذه الأرقام هي نتيجة دراسة عالمية واسعة أجراها على امتداد ست سنوات، في تسعة بلدان، باحثون من جامعة «كامبردج» البريطانية و«مؤسسة يوغوف لاستطلاع الآراء». وهي أشمل دراسة حتى الآن لنظريات المؤامرة. وقد شمل الاستطلاع أكثر من 11500 شخص في فرنسا وألمانيا وبريطانيا والمجر وإيطاليا وبولندا والبرتغال والسويد والولايات المتحدة.

وبنشر نتائج هذه الدراسة تكون نفوسنا قد ارتاحت قليلاً، ويكون المرجفون والمشككون قد أصيبوا بخيبة أمل في نظرياتهم التي تتحطم يوماً بعد يوم على صخرة البحوث والدراسات التي يقدمها علماء الغرب هذه المرة، فلسنا نحن الذين أصبحت مصداقيتنا مشكوك فيها لكثرة ما قلنا وكتبنا، وإن كان البعض يدخل ما نقول ونكتب في نظرية المؤامرة على الأمة.

ورغم أن البعض يعتقد أن المؤمنين بنظرية المؤامرة مختلفون، إلا أن علماء اكتشفوا عكس ذلك، فالمؤمنون بنظرية المؤامرة الذين يعتقدون مثلا أن الهبوط على سطح القمر مسرحية ملفقة، أو أن العالم تتحكم به زمرة صغيرة سرية، يشتركون بصفات شخصية متشابهة، منها أنهم يكونون عموماً شكوكيين لا يثقون بالآخرين، وذوي أطوار غريبة، يميلون إلى رؤية العالم على انه بطبيعته مكان خطير. كما انهم يحتاجون إلى الشعور بالتميز عن الآخرين، ويتصورون وجود اتجاهات ذات مغزى، في حين أنه لا وجود لها.

هذه الدراسة الجديدة، وهي الأولى التي تجد تماثلاً في السمات الشخصية للمؤمنين بنظرية المؤامرة، نشرتها صحيفة «الديلي ميل» البريطانية.

ونقلت الصحيفة عن البروفيسور جوش هارت، أستاذ علم النفس في كلية يونيون في نيويورك حيث أُجريت الدراسة، قوله إن الأشخاص الذين يرفضون تصديق نظريات المؤامرة يكونون عموماً ذوي صفات شخصية معاكسة لصفات المؤمنين بهذه النظريات.

وقد وجد الباحثون أن بعض الأشخاص يصدقون نظريات المؤامرة بشكل أعمى، وأنهم يؤمنون، على سبيل المثال، بأن السياسة العالمية تديرها عصبة وليس حكومات، أو ان العلماء يكذبون بصورة منتظمة على الجمهور.

كما أظهرت الدراسة أن أصحاب نظرية المؤامرة ذوو ميول معرفية متميزة، فهم ميالون أكثر من الآخرين إلى الحكم على أقوال لا معنى لها على أنها أقوال عميقة. وخلص الباحثون إلى أن نظريات المؤامرة تختلف عن النظرات الأخرى إلى العالم بكونها سوداوية من حيث الأساس.

نتائج الدراستين منشورة على موقع «إيلاف» الإلكتروني، وهي منقولة بتصرف من موقعي صحيفة «الغارديان» البريطانية و«ميل أون لاين» كما هو مدون أسفل كل دراسة على الموقع. نقول هذا من باب الأمانة الصحفية والعلمية، كي لا ندخل نحن في باب عدم الأمانة الأدبية، ويدخل الموقع في باب عدم الأمانة العلمية.

ولكن إلى أي مدى يؤثر الإيمان بنظرية المؤامرة في حياة الشعوب فيعيق تطورها، أو يجعلها تقف في محلها دون حراك، أو تتراجع إلى الخلف؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن ُيطرح، بغض النظر عن كون الإيمان بنظرية المؤامرة ظاهرة تختص بشعب معين، أو أنها ظاهرة عالمية لا يُستثنى منها شعب من الشعوب، وإن كان بدرجات متفاوتة، مثلما أظهرت الدراسات العلمية؟

في تاريخ كل شعب أو أمة مؤامرات كثيرة، بعضها يجري في الداخل، وبعضها يأتي من الخارج. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها.

لكن المؤامرة الكبرى على أي شعب من الشعوب أو أمة من الأمم، هي تلك التي تجعله يخضع للمؤامرة نفسها، ويستسلم لها، ويعتبرها قدراً لا مفر منه. وأعتقد أن أمة من الأمم لم تتعرض لمؤامرة مثل هذه كما تعرضت أمتنا على مدى تاريخها. هذا والله أعلم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات